قلت لنفسي إن العفن هو البنسلين الطبيعي ومن المفيد تناوله. ثم قلت لا يمكن أن يكون الخبز عفنا، فقد كان ذلك منذ ثلاثة أيام. حسنا لا بد أنني في كابوس، وعليَّ أن أستيقظ منه في الحال.

ولكنّني كُنتُ مُتوهِماً تَماماً، فما يَحصُلُ معي حقيقيٌ و ليسَ حُلماً أو وهماً أو هلوسات أو تسمما غذائيا. حسناً لا بُدَّ أنًّهُ فيروسُ أو وباءٌ جديد. حاولت النوم مجدداً، متحدثاً إلى نفسي " الإنسان مثل الكومبيوتر عليه أن يعيد التشغيل بين الفينة والأخرى، وذلك من خلال النوم، فالنومُ وحده ما يجعلُكَ قادرا على العملِ من جديد بفعاليةٍ أكبر، وحالما تقضي يومين كاملين بدون نوم "تتباطأ الاستجابة" و"بتعلّق" الصفحة، ولكن حتى هذا لم يَنفع، برُغمَ أنني نمتُ أكثر من أهل الكهف حتى نبتت الطحالب على مخدتي، وحالما نزلت إلى الشارع، اكتَشفتُ أن مَرضي ما زال على حاله. ذهبت إلى منطقةٍ بَعيدةٍ عن مكان سكني، برغم مَخاطر الحركة في دمشق. طول الطريق وأنا أرى صورتي تَتَكررُ في كل الوجوه. وكأن طابِعةً بَشرية مُتنقلة نسخت آلاف وآلاف النُسخ، ونثرتها في الشوارع والأزقّة. أو كأننا في شاشةِ كُومبيوتر عملاق، ويد في مكان ما تتولّى "نسخنا" و"لصقنا" على سطح الكرة الأرضية. يبدو أنَّ عليَّ مُراجعة الطبيبِ في الحال.

وبالفعل وبعد بحثٍ دؤوب وجدتُ طبيباً متخصصاً في الأمراضِ النادرة ِوالفيروسات الخَبيثةِ وهرعتُ في الحال لأقابلهُ وأعرف حقيقة مرضي الجديد.
وَضعتُ نظاراتٍ سَوداء على عينيَّ، ودَخلتُ إلى غرفةِ الطبيب وأنا أتحاشى تماماً أن أنظر الى ملامح أي شخصٍ، طوال الطريق وحتى لدى دخولي إلى غُرفَةِ المُعاينة بقيتُ مُطرقاً في الأرضِ دون أن أرفع نظري لأرى الحكيم، حتى عندما طلب مني ذلك.
- لا أستطيع يا دكتور، فهذا هو سَببُ وجودي هنا.
- حسناً قال لي الدكتور: صِف لي ما الأعراض التي تنتابك
- فقلت: لا أعراض كثيرة يا دكتور، إنه عارضٌ وحيد ٌ
- وما هو
- أنني أرى الجميع أنا!
- ما الذي تعنيه يا بني؟
- ما أعنيه يا دكتور أنني أرى مَلامحي نَفسها تَتَكررُ في كل الوجوه التي أراها ... فلا أرى سوى صُورتي ترتدُ إليَّ.
- باندهاشٍ قال الطبيبُ: ِصفّ لي الحالةَ بدقة وبتفاصيل أكثر
- بَدأت قصتي يا دكتور ُمنذُ نحو أربع سنوات تقريبا، عندما كان عمري ستة عشر عاما، في ليلةِ مقتلِ أبي، خوفٌ شديدٌ انتابني بعدما استيقظت على صوتٍ رهيبٍ، فهرعت إلى فناء البيت لأرى مشهداً سيغير مسار حياتي إلى الأبد: "رجل أربعيني بلباس مموه يمسكُ بعقب البندقية ويهوي به على رأس أبي الأبيض المشعث لينفجر نبعٌ من الدمِ ويسيل على جبينه وعينيه الزرقاوين.
لا أستطيع ما حييت أن أنسى وجه القاتل! لقد رأينا هذا المشهد بأعيننا المرتجفة كأجنحة الفراشات. رأينا كيف يتهاوى أمامنا ذلك الجبل الشامخ صخرة صخرة، وكيف تجرف هذه الصخور معها كل آمالنا وأحلامنا، وتسحق كل الزهور في داخلنا، وتشوه ما في قلوبنا. حاولنا أن نقاوم ونهجم على القتلة، ولكن أبي أمرنا بأن نبقى في مكاننا. في تلكَ اللحظة قررتُ مَصيري وبدأت الدموع الغزيرة تجرف الأزهار عن وجهي الواحدة تلو الأخرى وتنبت مكانها أشواك ونباتات سوداء.
لا بدّ من الانتقام إذاً! وضعت قناعا أسود سميكا على وجهي وبدأت بالتدرّب والاستعداد للأخذ بالثأر...كنت أعرف أين أجده، وكان من السهل التخطيط لذلك مع مجموعة من الشبان المنكوبين لمقتل أحبائهم، وبعد ثلاث سنوات اقترب موعد تحقيق الوعد، بعدما بحثت وحددت مكان سكنه ووقت حضوره في المنزل. أردت أن أقتله أمام أطفاله وامرأته، اي بالطريقة نفسها التي قتل بها أبي.
سار كل شيء بحسب المخطط، ووصلنا إلى منزله في جبل بعيد. كان الغضب يشتعل في كل جسدي، وكانت الأشواك ورؤوس الأفاعي قد افترشت وجهي ورأسي، وأصبح من الصعب إخفاؤها تحت القناع الأسود.
فوجئت تماما بالمنزل الفقير المتهاوي! لم أتوقع أن يكون منزله كمنازلنا، قديما وبسيطا ومسقوفا بطريقة بدائية! دخلنا البيت كما خططنا، وحشرنا الأطفال والأم في الزاوية، ليشهدوا منظر أبيهم وهو يعذَّب و يُقتل، تماما كما فعل بأبي وآباء أصدقائي. ضربته في أعلى الرأس، وبدأ الدم يسيل على رأسه وعينيه...
لكنني هنا، تماما هنا، جمدت تماما في مكاني! نظرت إلى عينيه فكانتا زرقاوين كعيني أبي، وإلى رأسه الأبيض المشعث، وهدوئه، صلابته. إنه أبي بالملامح نفسها. التفتّ إلى أطفاله، رأيت الأزهار بدأت تذبل على وجوههم، والأشواك تشق الجلد لتخرج. وبدأ الجبل يتشقق والصخور تنهمر عليهم، يا إلهي! ما الذي يحصل؟ أين أنا؟ سألت أصدقائي. "أنت في بيت قاتل أبيك وعليك أن تنتقم لدمه". قالوا، لكنه ليس هو! هذا شخص آخر. إنه يشبه أبي. نظرت إلى أطفاله، فوقع السلاح من يدي.
أيها الجبان، إنه قاتل أبيك. التفتُّ إليه مرة أخرى، لم يكن ذلك القاتل. كان شخصا آخر تماما.
التفتُّ إلى أصدِقائي. كَانَتِ الأفاعي لا تزالُ تُحاولُ أنّ تَخرُج َمن تحتِ الأقنِعَةِ السَوداءِ التي يضعونها. تَركتُ الجميعَ وبدأت أركض وأركض دون أن ألتَفِتَ الى الوراء.
عدّتُ إلى منزلي ومكثتُ أيامًا وأياما، آكل من مؤونة البيت. حتى قررت أن أنزل وأرى الناس من حولي. عندما نزلت إلى الشارع، ودخلت إلى "البقالية"، رأيت جارنا "أبو ماجد"، بنفس شكل جسده الهرم، وظهره المحنيّ، ولكن كان له وجهي أنا. ذهبت إلى الصيدلية، فرأيت الصيدلاني "ماهر" بلباسه الأبيض ونظارته السميكة، ولكن أيضا بملامحي أنا!. سائق التاكسي، بائع الفول على ناصية الحارة، الشحاذ، ماسح الأحذية، بائع الألبسة! حتى الجنود على الحاجز في مدخل الشارع. كان الجميعُ بالملامح ذاتها: ملامحي! وعندها قررت أنّ عليّ مراجعة الطبيب، وجدتك، وها أنا الآن أناشدك أن تداويني.
أغمض الطبيبُ عينيه وبدأَ يَفرُكهما بعنف، ثم أخذ يَفتَحُ جُفونَهُ ويُغلِقها كمَنارةِ السَواحل. تَرَكَني وهرَع َإلى المرأة، ثمَّ إلى المَغسلة. وضعَ رأسَهُ تحت حَنفية المياه ثمَّ عادَ إليَّ بوَجهُ أصفرٌ وشاحب... نَظَرَ إليَّ بِخَوفٍ وقال: هل أنا في حُلم، أم أنني أتحدثُ إلى نفسي؟
قُلت له: يبدو أن مَرضي معدٍّ يا حكيم.