لم تكن المؤتمرات يوماً ذات أهمية بالنسبة لي. إذ تتكرّر المواضيع والمناقشات و"الكليشيهات". المنتدى الاجتماعي العالمي الذي عُقد أخيراً في تونس لم يكن مختلفاً عن غيره، إن كان من حيث سوء التنظيم أو نوعية المشاركين وطريقة تناول قضايا عالمنا الثالث الذي ظلمته قوى الاستعمار والإمبريالية. الحماسة للمشاركة فيه كانت نابعة من يقين اللقاء بمن منعنا الاحتلال من معرفة أسمائهم ووجوههم.


هناك في تونس، وفي اليوم الأول اللقاء كان غريباً كما العادة، فهولاء لا أعرفهم، ولا أعرف إن كانوا يحبون فلسطين كما نحبها. فنحن نحبها من دون أن نراها، كما يعشق الناس إلهاً لم يروه إنما أيقنوا بوجوده وسعوا كل حياتهم ليعودا إليه بلا خطايا. هم يحبونها لأنهم يتنفسون هواءها، ولأنها الأمانة التي سيعود إليها اللاجئون. هم لنا التاريخ والجذور ونحن لهم التاريخ والثورة. الرومانسية التي دائماً تطغى على لقاءات الفلسطينيين لم تكن موجودة بيننا، أو على الأقل لم تكن ظاهرة. بل جمعتنا مغامرات غريبة، وأحاديث عميقة وأخرى سطحية. أخبار عن وضع الفلسطينيين في لبنان، والانقسام السياسي وداعش والحريري، أحاديث مملة. وأخرى عن وضع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، الذين سُموا زوراً أردنيين. "مش معاجبك هضاك الجسر قدامك"، يخبروننا كيف أن العنصريين من الأردنيين "الأصليين" يجيبونهم إذا ما اعترضوا على أمر ما. لكنهم بكل الأحوال يظلون أحسن حالاً منا نحن اللاجئين في لبنان. فعلى الأقل هم قادرون على التملّك والحصول على وظيفة، وإن تطلب الأمر ذكر "البلد الأصلي أو مكان ولادة الأب" في طلب التوظيف. بصراحة، كانت لدي صورة عن فلسطينيي الأردن بأنهم قد "تأردنوا"، لأن معظم الذين التقيت بهم سابقاً لم يخبروني عن أصلهم الفلسطيني، إلا بعد السؤال الغبي "أردني أردني أو فلسطيني أرني؟". لكن للأمانة لم يوفر صديقنا فرصة للحديث عن فلسطين والفلسطينيين في الأردن.
وفي منزل أحد الأصدقاء اجتمعنا بلهجاتنا المختلفة لنستمع إلى قصص أبناء القدس الذين اعتُقلوا، وقضوا ليالي في الأقصى، ليس لأسباب دينية، بل لأن الدفاع عن تاريخ فلسطين وهوية أهلها هو واجبهم. قصص مضحكة وأخرى محزنة، عن أطفال غزة الذين عولجوا في مستشفيات القدس. كانوا سعداء لأنهم دخلوا المدينة المقدسة ورأوها. أحد الشبان يخبرنا كيف هرَّب طفلة خارج المستشفى مع المصل، لترى قبة الصخرة من على تلة قريبة. وآخر يخبرنا "نهفة" اعتقاله، وآخر مبعد خارج الوطن. كلها قصص قرأناها لكننا لم نسمعها من أبطالها.
وقد يكون أكثر الذين تركوا علامة في القلب، هم الآتون من الأراضي المحتلة عام 48. هم الذين لا نراهم في المؤتمرات التي تُعقد في بيروت. فلأوّل مرة تخبرُني "درزية" من الكرمل عن حقيقة التجنيد الإجباري المفروض على الفلسطينيين "الدروز". وكيف يتواطأ بعض رجال دين الطائفة مع الاحتلال، مقابل جهود الكثير من الناشطين لحماية رافضي التماهي مع القاتل. وآخرون تحدثوا عن مقاطعة انتخابات الكنيست، والتضييق على العاملين في المجال السياسي والاجتماعي، خصوصاً المقاطعين للمؤسسات الإسرائيلية. جدالات كثيرة حول أهمية استراتيجية وطنية للتحرير، وهل تأتي المقاومة المسلحة قبل المقاومة المدنية، أو بالعكس. اتفقنا على أن المواجهة المسلحة حتمية، والأهم هو الجدية في العمل من أجل التحرير.
الصدف التي عرّفتنا إلى بعض، والقهوة التي جمعتنا صباحاً، وقبور الشهداء في حمام الشط، وجولات التسوّق والسهرات الصاخبة، والمحاضرات الطويلة عن الفلسطينيين بكل "موديلاتهم": الشتات - الداخل- الضفة - غزة، في القانون الدولي - التضامن الدولي - الإعلام العالمي، في التاريخ - الجغرافيا - الأدب - التظاهرات - عبارات التضامن - كاميرات الأجانب… كلها انتهت بعناقين طويلين وقبلات على الخد شتتت الروح خلف آلاف الحدود.