"حاجز"، "نقطة تفتيش"، "دورية عسكرية"، ترتبط هذه المصطلحات في الدول الحرة بقوى الأمن في هذه الدول التي تعمل للحفاظ على نظامها. أما في العقل الفلسطيني، فإنها ترتبط بالاحتلال الإسرائيلي، وعلى وجه التحديد لفظة "حاجز" التي تختلف تجلياتها لفظياً. فقد تستعمل الكلمة العبرية "محسوم" أحياناً للإشارة الى الحاجز، وأحياناً تستبدل الحاء بحرف الخاء.


قد يكون الحاجز عبارة عن بضعة جنود يتكئون على مقدمة سيارتهم العسكرية، أو جندي يقف بالقرب من أبراج عسكرية محاطة بجدران اسمنتية وبعض أكياس الرمل والأسلاك الشائكة. وقد يكون الحاجز ضخماً، تكثر فيه التحصينات والعناصر البشرية، أو غرفاً حديدية صغيرة بشبابيك زجاجية مصفحة، يتموضع فيها الجنود. بعضهم امام أجهزة الحاسوب، وبعضهم الآخر يتواصلون باللاسلكيات التي ترطن بالعبرية المشوشة.
عادة ما تكون هذه الحواجز مقامة على إسفلت محفّر يعطل حركة السيارات، في حين تتمرغ كلاب الشرطة المدربة السوداء على جوانب الرصيف. تغفو قليلاً في حال الفتور الأمني، وتشمشم وتنبح في حال الاستنفار. يطول الوصف في هذا النوع الأخير من الحواجز المدججة، فلتكن البقية لما هو آتٍ.
وللمعاناة على الحواجز فصل طويل في الحكايا الفلسطينية اليومية، أبسطها التعطل عن المواعيد، والانتظار على الحواجز لمدة تصل أحياناً إلى بضع ساعات، لكن هذا الانتظار المملّ يتحول فجأة الى ما يشبه ارض الحكايات، عندما تضع أمٌ، فاجأها المخاض، وليدها على الحاجز، بعد منعها من الوصول إلى المشفى أو إلى مكان يليق بأوجاع مخاضها. وتتضاعف المعاناة اذا أضيف اليها سوء معاملة الجنود أثناء التفتيش والتعرض للناس بالإهانة والضرب والتنكيل. وقد يصبح الأمر أسوأ كما في قَتل جنود الحواجز شباناً فلسطينيين أرادوا فقط أن يعبروا.
وفي الميثولوجيا الفلسطينية، تتحول جغرافيا الحاجز الى ميدان مواجهة بين جنود يقذفون الموت من فوهات بنادقهم، وشبان يقذفون حجارة عُجنت من تراب الأرض.
وفي خضم هذا التكدس العسكري على الحاجز الاحتلالي، وبين فصول المعاناة، يجد الفلسطيني فسحة للكوميديا، وأبطال هذه الحلقات الكوميدية هم جنود الحواجز، القتلة أنفسهم يصنعون الكوميديا السوداء، سواء عن قصد أو غير قصد.
وفي هذا المقام سأروي موقفين حصلا مع جنود الحواجز.
على الطريق الواصل ما بين بيت لحم والخليل تجثم مستوطنات كبيرة، ما يقتضي إجراءات أمنية صارمة. عصر ذات يوم، وأثناء مغادرتي عملي، وبالقرب من مستوطنة "عتصيون" كان يقف جندي وحده، بقامة متوسطة وملامح شقراء، أوقف سيارة التاكسي التي كنت أركبها، طلب بطاقات هوية بعض الشبان الذين يركبون السيارة وجاملهم قليلاً بسؤاله عن حالهم، يا لغرابة الموقف! لم يبد على تصرفاته أو أسلوب كلامه عنفٌ يذكر، كان يتحدث بلغة عربية ثقيلة مكسرة، وبعد أن يرى هويات الراكبين ويفتش حقائبهم، يعتذر لهم قائلاً: "آسف ع الإزعاج" ويقول أحياناً "شكراً" عندما يعيد بطاقة الهوية لصاحبها. عندما وصل إليّ، نظر إلى هويتي قليلاً، وسألني مشيراً إلى حقيبتي: "عاكف! شو فيها هاي؟" أجبته بأنها تحوي حاسوباً محمولاً، وعندما شرعت أفتح الحقيبة لأثبت له صحة كلامي، قال لي بخليط عبري/ عربي: "كين كين... خلاص لا تفتحها". جندي لا يدقق في التفتيش، مبتسم ويضحك أحياناً، يجامل الفلسطينيين، يعتذر ويقول "شكراً"! معقول؟! جندي لطيف في جيش مجرم، هل سيحافظ هذا الجندي على دماثته إذا أصبح رئيساً لكيانه؟ أم أن دماثته ولطفه لن يسمحا له بأن يكون أكثر من جندي على حاجز؟ فمن المعلوم أن سلّم الترقي في مناصب كيان الاحتلال يقتضي سجلاً حافلاً بالإجرام والقتل.
على مدخل المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل، وبينما كان يجب عليّ أن أعبر ذاك الحاجز لأذهب إلى المنطقة الجنوبية، كنت برفقة صديقتي مريم التي تسكن في حي قريب من مستوطنة "كريات أربع". كان علّي أولاً أن أعبر باباً حديدياً دواراً يسمح بعبور الأشخاص بالمفرد، إذ يعمل كمعيق للحركة، ثم يجب الوقوف على ما يشبه عتبة باب إلكترونية. وقفت على تلك العتبة فأصدرت صوتاً رناناً يدل على أني أحمل أشياء معدنية. أمرني الجندي بالتراجع وعدم العبور، فرجعت إلى الخلف وأفرغت ما في جيوبي من قطع نقدية معدنية وخلعت حزام بنطالي كون جزء منه مصنوعاً من الحديد، ووضعتها على طاولة خشبية صغيرة ومنخفضة، ورجعت ووقفت مرة أخرى على تلك العتبة الإلكترونية فلم تصدر أي صوت. فأشار الجندي المتربع في غرفة حديدية صغيرة لي بيده أن اعبر. فجمعت أغراضي التي تجردت منها، وعبرت. لكن خلال هذا المشهد التفتيشي الذي يستهلك دقائق ليست بالقليلة، كان هناك جندي آخر يقف على المسرب الثاني من الحاجز، ويفصلني عنه شبك حديدي، وفي خضم التفتيش، أشار برأسه إلى مريم، وسألني "أختك؟"، فأجبته بحزم وهدوء "آه أختي".
كان بإمكانه أن يكشف كذبتي هذه لو تفحص هويتي وهوية مريم، إلا أنه لم يكترث. فمريم والله لا تربطني بها أي صلة قرابة أو رابطة دم، إلا أننا أبناء هذه المدينة وهذا الوطن. انطلت على ذلك الجندي كذبتي، فغباؤه وعدم تدقيقه بهويتي وهوية صديقتي أنقذاني. بدا عليه التردد عند سؤاله عن مريم، لا يتمتع بأي هيبة: جسد رخو وشفاه متهدلة ونظرات تشي بالغباء. لا أعرف من أي داهية من أفريقيا أتى، ولا أعرف هل دخل كيان الاحتلال بشكل قانوني، أم دخله متسللاً ومهرباً كالبضائع؟ كل ما عرفته أنه جندي حاجز غبي على نحو مثير للطمأنينة. ولمجرد أن جازت عليه كذبتي أحسست بانتصار صغير، من نوع تلك الانتصارات التي تعيننا على تحمل الحواجز، بجنودها السفلة والأغبياء أو المجرمين الأذكياء.