تونس | «في 9 أغسطس (آب) قمنا باستيقاف آخر بالقرب من استراحة النوار وخطفنا شخصيْن وتبيَّن أنَّهما تونسيا الجنسية، ونقلناهما إلى المزرعة نفسها، وسلمناهما هناك إلى (سيراج) و(أبو حبيب). وبعد أسبوع نقل الشخصان إلى الغابة الكائنة عند محطة درنة البخارية بحضور (أبو عاصم) وأحمد التشادي وأبو عبدالله التشادي، اللذين أطلقا عليهما طلقتين في الرأس مع ذبح بالسكين، ودُفنا في المكان نفسه».

هذا ما نقلته "بوابة الوسط" الليبية عن أحد الارهابيين الذين قالت وزارة العدل الليبية (طرابلس) إنها قبضت عليهما واعترفا بضلوعهما في اختطاف وقتل فريق محطة تلفزيون «برقة» والصحافيين التونسيين، سفيان الشورابي ونذير القطاري، اللذين يتواصل لغز اختفائهما إلى اليوم.

بل إن الاعتراف الأخير الذي نقلته "البوابة" وتداولته وسائل إعلام كثيرة قد عقّد الملف أكثر؛ فسفيان ونذير كانا لا يزالان في تونس في آب 2014، ولم يتجها إلى ليبيا إلا في بداية شهر أيلول، ما يجعل الاعترافات المنقولة غير متطابقة مع الوقائع. كذلك كان لسفيان ونذير، أيضاً، صور سرّبها الخاطفون وتظهر فقدانهم للوزن بشكل واضح، ما يعني استحالة أن تكون قد تمت تصفيتهما بعد أسبوع واحد.
البداية كانت في السادس من أيلول 2014، بخبر اختطاف سفيان ونذير من قبل ميليشيا إبراهيم الجذران في الشرق الليبي. وبعد تدخلات عبر "الديبلوماسية الشعبية"، قادها الناشط الحقوقي في الجنوب التونسي، مصطفى عبد الكبير، تم إطلاق سراح الصحافيين اللذين تابعا مهمتهما الصحافية. وبعد يومين من ذلك (بحسب عدد من الروايات)، وتحديداً في منطقة ما يسمّى بوّابة «الميتين»، استوقفت مجموعة مسلحة ترتدي زي حرّاس المنشآت النفطيّة السيارة التي تقل الصحافيين وطلبت من السائق المغادرة، ليكون ذلك آخر خبر شبه أكيد عنهما.
إثر ذلك تتابعت الأخبار ونقيضها، وآخرها تأكيدات رسمية ليبية لمقتلهما في انتظار العثور على جثتيهما، وآخرها تفاصيل التحقيق مع المتهمين بالمشاركة في قتلهما، وتحديداً ما رواه محمد خالد محمد عبد الحميد المكنى بـ«أبولشبال»، وهو مصري الجنسية ويخضع للتحقيق من قبل الأجهزة الأمنية الليبية. تسريب لاعترافات تأتي بالتوازي مع إصرار الجانب الليبي، متمثّلاً في وزارة العدل التي كانت أول من أكد الخبر، على إغلاق الملف نهائياً، فيما رفض المتحدث باسمها ما اعتبره "محاولات تشكيك في معلومات الوزارة الليبية" خلال مداخلة إذاعية له جمعت بينه وبين نقيب الصحافيين التونسيين، الناجي البغوري. وإضافة إلى الاعترافات الأخيرة للارهابيين المتضاربة مع الوقائع، باتت مجمل الأدلة تصبّ في خانة تقوية الرأي القائل بأن الملف لم يعد أمنياً بقدر ما جرى التلاعب به سياسياً، كما جاء على لسان البغوري في أكثر من مناسبة.
وفي الجانب التونسي، تواجه وزارة الخارجية انتقادات حادة لما اعتبره المتابعون للقضية، وخاصة عائلات الصحافيين المختطفين، تقاعساً وعجزاً من جانبها عن تقديم معلومات عنهما. ولا تزال الوزارة تلتزم الصمت، إلى اليوم، ويفضّل المتحدثون باسمها عدم الإدلاء بأي معلومات جديدة، في انتظار ما سيدلي به القنصل التونسي وقاضي التحقيق الذي انتقل إلى ليبيا للتحقيق في الملف ولتنفيذ "الإنابة القضائية الدولية"، في إطار الاتفاقية المبرمة بين تونس وليبيا، بحسب ما صرّح به المتحدث باسم المحكمة الابتدائية في تونس، سفيان السليطي. وتجدر الاشارة إلى أن "الإنابة القضائية" هي طلب رسمي من محكمة إلى أخرى أجنبية، للحصول على مساعدات قضائية، وغالبية المعالجات التي تُطلَب عن طريق "الإنابة القضائية" هي تبليغ الإجراءات القضائية والحصول على الأدلة.
كذلك، أدى تصريح غير رسمي لوزير الداخلية التونسي، ناجم الغرسلي، إلى إضفاء مزيد من الغموض على الملف، إذ أكدت عائلة أحد الصحافيين المختطفين، خلال ندوة صحافية عقدت منذ يومين في مقر النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، تلقيها اتصالاً شخصياً منه يؤكد فيه أن "سفيان ونذير على قيد الحياة"، من دون أن يفيد بأي معطيات أخرى، الأمر الذي جعل الأصوات تتعالى لمعرفة حقيقة الملف الذي صار محل تضارب في التصريحات ومزايدات شتى وعرّى ارتباكاً شديداً في وزارة الخارجية التونسية. وهو، أيضاً، الأمر الذي جعل جمعاً من الصحافيين والناشطين وأهالي المختطفين يحتجون أمام وزارة الداخلية التونسية، مطالبين الحكومة ووزاراتها بتحمّل مسؤوليتها في التحقيق والبحث في مصير مواطنين مختطفين منذ أكثر من 7 أشهر بلا أي جديد عنهما.