وجه وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، صفعة سياسية مدوية إلى رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، بإعلانه أنه لن يشارك في الحكومة الجديدة وسيبقى في المعارضة. قرار ليبرمان يأتي عشية انتهاء المدة المفترضة لتشكيل الحكومة، كما ينص قانون أساس الحكومة، وعلى وقع تراجع حزبه في الانتخابات الأخيرة إلى ستة مقاعد، بعد فضائح الفساد التي اتهم بها مسؤولون كبار في «إسرائيل بيتنا». وإذا بقي ليبرمان مصراً على موقف التمنع عن المشاركة، فستكون هذه المرة الأولى التي لا يشارك فيها بالحكم منذ عام 2006، أي عهد أيهود اولمرت، فيما كان شريكاً طبيعياً لنتنياهو طوال السنوات الست الماضية.


ورغم أن ليبرمان قدم موقفه على أنه تغليب المبادئ على المناصب، متهماً نتنياهو بالخضوع للحريديم، ومنتقداً عدم إدراج «قانون القومية» في الاتفاقات الائتلافية، فإنه واجه استحقاقاً قاسياً لكونه وجد نفسه في واقع حكومي يتعارض مع الشعارات التي يرفعها، وخاصة بعد الاتفاقات الائتلافية التي فرضها نتنياهو كأمر واقع وتضمنت إلغاء العقوبة الجنائية التي تتصل بعدم التجنيد في الجيش.
يمكن القول إن ليبرمان وجد أن المشاركة في حكومة تتبنى اتفاقات كهذه سيقدمه كمن فقد مبرر وجوده واستمراره كحزب، فضلاً عن الانتقادات القاسية ورفض جمهور ناخبيه هذا الخيار. وكان نتنياهو قد اعتمد تكتيك تكوين نواة حكومية صلبة تتشكل من حزب «كولانو» والأحزاب الحريدية لفرض أمر واقع على شركائه الطبيعيين، ومن بينهم ليبرمان، كذلك بدا أنه كان يراهن على أن شركاءه من اليمين سيجدون أنفسهم مضطرين إلى الموافقة على المشاركة في الحكومة، خاصة أن البديل سيكون إما: دفع نتنياهو نحو حكومة وحدة وطنية بمشاركة حزب «المعسكر الصهيوني» (وفق المعطيات الحالية هذا السيناريو مستبعد)، أو الذهاب نحو انتخابات مبكرة بعد مضي أسابيع معدودة على الانتخابات الأخيرة، وهو أمر ليس له سابقة في تاريخ الحكومات الإسرائيلية.
أما الذي جرى الآن، فهو أن أحد الشريكين اليمينيين يتجه نحو المشاركة ممثلاً بحزب «البيت اليهودي» ورئيسه نفتالي بينيت، فيما فاجأ ليبرمان الساحة السياسية والحزبية بقراره العزوف عن المشاركة، وهكذا وجد نتنياهو نفسه أمام حكومة تحظى بتأييد 61 عضو كنيست، إن لم تحدث مفاجآت دراماتيكية خلال الساعات الفاصلة عن الموعد النهائي.
عموماً، إن من أهم مفاعيل ونتائج قرار ليبرمان أن الحكومة المقبلة ستكون أكثر هشاشة، وسيسود الابتزاز بين أطرافها، لأن حكومة كهذه تؤسس منذ يومها الأول لانتخابات مبكرة، في ظل حقيقة أن هناك أكثر من قضية داخلية عرضة للخلاف والتنازع بين أطرافها. ومع ذلك، يمكن تقدير أن نتنياهو لن يسلم بهذا الواقع الحكومي وسيواصل بذل جهوده بعد تصديق الكنيست من أجل توسيع القاعدة البرلمانية لحكومته الجديدة.
وبلحاظ التجارب السابقة المعروفة عن نتنياهو، لا يبعد أن يعمل على «المعسكر الصهيوني» في محاولة لتفكيكه، وذلك على أمل التحاق جزء منه بالحكومة، كما يتوقع أن يواصل اتصالاته مع ليبرمان على أمل إرضائه وإقناعه بالمشاركة في الحكومة.
إلى ذلك، سيفتح عزوف ليبرمان عن المشاركة إلى فتح الباب أمام مزيد من التجاذبات داخل حزب «الليكود» وخارجه حول حقيبة الخارجية، فإلى جانب المستوزرين داخل حزب السلطة، هناك من يقدر أن نفتالي بينيت، الذي كان قد أشار إلى أنه تنازل عن الخارجية لمصلحة وزارة التريبة والتعليم، سيطالب من جديد بها، ولكن من المحتمل أيضاً أن يتولى نتنياهو بنفسه هذه الحقيبة إلى جانب توليه رئاسة الحكومة.
وفي ضوء التركيبة المفترضة للحكومة بلا مفاجآت الساعات الأخيرة، يمكن أي من أطرافها أن يسقطها عبر إفقادها الأغلبية، مع أن إسقاط الحكومة مشروط وفق القانون بشرطين: توفير أغلبية 61 عضو كنيست يحجبون الثقة عن الحكومة، وأيضاً اتفاق هذه الأغلبية على رئيس حكومة بديل. وفي حال تأييد أي من أطراف الحكومة ذات الأغلبية الهشة، 61 مقعداً، لاقتراح قانون حل مبكر للكنيست، سيؤدي هذا دراماتيكياً إلى انتخابات مبكرة.
وبالعودة إلى ليبرمان، فإنه بالتزامن مع الجلسة الافتتاحية للكنيست أمس، قال إنه خاض صراعاً بين «المبادئ أو المناصب»، معرباً عن سعادته لتفضيل المبادئ والتخلي عن المناصب. وبرر موقفه بأنه لم يجد من الصواب الانضمام إلى الائتلاف الحالي، وخاصة بعدما رأى كل ما تضمنته الاتفاقات الائتلافية مع الأحزاب الاخرى، واصفاً الحكومة الجديدة بأنها ليست حكومة وطنية، وإنما «حكومة الانتهازية».
يشار إلى أن ليبرمان تنافس في 2013 إلى جانب نتنياهو في قائمة مشتركة «الليكود بيتنا»، واعتبر في ذلك الوقت أنها خطوة على طريق الاستعداد للتنافس على منصب رئاسة الحكومة، ولكن التعاون بينهما لم يستمر ومضى كل في طريقه، ثم توالت قضايا الفساد بحق ليبرمان وحزبه، الذي دفع ثمنه في نتائج الانتخابات الأخيرة.