كنت أقرأ هذه العبارات المطبوعة على ورقة العشرين شيكلاً، وأنا أحاول أن أدخلها ماكينة التذاكر في الترام، من دون أن أنجح. أخذت برفع وتقريب نظاراتي لعلّي أفهم لِمَ تصدُّني هذه الماكينة في كل مرة وتؤخرني عن حافلة حيفا ساعة تقريباً!

استقليت «الترامواي» يومها، بعدما باعني شاب مقدسي بطاقته بعد أن فشلت في الدفع. ومن «باب دمشق» اتجهت إلى «المحطة المركزية» في القدس. صليت: «يا رب. دع المقعد بجانبي فارغاً». لكن الله لم يستجب لي على غرار الماكينة وورقة العشرين شيكلاً. فقد صعد عجوز يهودي يحمل كيساً مليئاً بأرغفة الخبز الساخنة، مؤونة لسبت اليهود، السبت الذي يسبت فيه أهل هذه الديانة فيحضرون أكلهم قبل نهاية اليوم السادس، ولا يشعلون غير الشموع، فالله الذي خلق العالم في ستة أيام ارتاح في السابع، لماذا هم لا يرتاحون؟ لم يجد العجوز مكاناً إلا مقعداً رماه الله له بجانبي.

ومع أن الأرغفة كانت مخبوزة للتو، وكيس النايلون متعرق مثلنا في عز شهر آب (اغسطس)، إلا أن رائحة العجوز الكريهة منعتني من التفكير في كل ما يدور حولي. نزلت من القاطرة محاولة اللحاق بباص حيفا، حتى أني لم أفكر كثيراً بهذ المكان الذي يجمع غرباء من أصقاع العالم بين نوافذه.
«يا الله راح الباص!» صرخت عبر السلولير، بينما كانت تسألني أمي، في الجهة الأخرى للسماعة «شو بدك أطبخلك اليوم؟»، هممت بالإجابة إلا أن صوت جندي صهيوني من أصل إثيوبي قاطعني صارخاً: «تعودات زيهوت - هويتك».
كنت أجتاز ماكينة التفتيش الالكتروني على باب محطة الحافلات المركزية في القدس، ولمْ أنتبه إلى أن الهاتف لا يزال على أذني. «نعم؟!» التفت إليه غير مصدقة! «مش ناقص بعد غير إنت يا أخو الشر...! كمان كلمة برفع عليك دعوى تحرش جنسي، فاهم شو؟» وجدت نفسي أقول. «إنتِ وظيفتك هون مش أكتر من حارس، وما بيحقلّك تطلب هويتي».
انتبهت إلى أني أصرخ به حين رأيت الارتباك على وجه الجندي... الأسود. «ممنوع تبكي على رابين! رابين قتل الفلسطينية!» لا أعرف لم خرجت تلك الذكرى من عقلي حينها! كان عمري 4 سنوات، وكنت أبكي يوم اغتيال رابين، لمْ أكن أعرف حينها أبعد من أغنية طفولية تقول: «يا يهودي يا ابن الكلب/ مين قلك تنزل ع الحرب/ لمن شفت الفدائي/ صرت تعوي متل الكلب»! لم أكن أعرف من هو رابين حتّى، ولا من هو الفدائي. كنت أبكي لأن شخصاً ما توفي، ولأن الموت حدث محزن يدعو إلى العويل.
ربما تذكرت ذلك، لأن بشرته السوداء كانت تكفي كي يعامله المحتل بعنصرية، هو الذي جاء من إثيوبيا معتقداً أن بلادنا المحتلة والتي هي بنظره بلاده، ستكون أفضل بمليون مرة من حيث أتى، لمْ يكن يعلم أنه سيكون مواطناً في أدنى الدرجات، فقط لأنه أسود. لمْ يكن يعرف مثلاً أنه وإن تبرع بالدم سيرمون ما تبرع به إلى أقرب حاوية نفايات. لم يكن يعرف أن طفلته الصغيرة لن تُستقبل في دور الحضانة مع البيض، ولا أنه سيسكن في حي للسود في إحدى زوايا العاصمة الصاخبة، لكنه حي يفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة، هو مثلي... لا لا لا... أنا لست مثله، العنصرية تجاهي نابعة من كوني فلسطينية، صاحبة تلك الأرض، وهو جندي وإن كان يقشر بطاطا في المعسكر. هو جندي، وهذا هو الفارق. لن أتخلى عن إنسانيتي، هذا صحيح. لكن ليعد "حضرته" إلى بلاده ويتوقف عن كونه محتلاً وجندياً وقاتلاً للأطفال. ليتوقف عن ذلك كله وعندها سأكون إلى جانبه.
فكرت في ذلك كله، بينما كنت أتابع مشهد داماس باكادا، الجندي الإثيوبي الإسرائيلي، وهو يتعرّض للضرب من قبل شرطة «بلاده»، في فيديو نُشر على موقع «يوتيوب» وتسبب بحالة غليان في فلسطين المحتلة، قام على إثرها إثيوبيون يهود باحتجاجات غير مسبوقة، في ميدان رابين في تل أبيب ليل الأحد/الاثنين. كنت أنظر بشيء من الشفقة الى هذا الجندي، الذي كانت تكفي صفته تلك لكي أعود عن «شفقتي». «فخار يكسر بعضه»، قلت لنفسي.

أحدق في الفوضى أمامي: علبة تبغ، فنجان قهوة بارد، عدد اليوم من جريدة «الأخبار»، زملائي المنهمكون بالعمل، شيء من بيروت من شباك المكتب.
وأتساءل حقاً، هل يمكن أن يكون «يوم البيت»* وتظاهرات الإثيوبيين، والمطالبة بحقوق المثليين، والاحتجاج ضد غلاء المعيشة، ووقفات تضامن "المجتمع الإسرائيلي" مع قيادته وجيشه في شن العدوان على غزة، هل يمكن لذلك كله أن يحدث في المكان ذاته: «ميدان رابين» في تل أبيب؟
لا أعرف لماذا انجرّ رفاقي في الداخل، قبل نحو أسبوعين، إلى ذلك الميدان للاحتجاج على هدم بيوت العرب! ألم يجدوا في فلسطين كلّها مكاناً آخر للاحتجاج؟ ميدان آخر غير الميدان الذي تجرى فيه كل «مظاهر ديموقراطية العدو»؟
لكن الحق يقال إن الإثيوبيين «طلعوا أجمد»، من العرب. فقد كسروا حاويات النفايات، وأغلقوا الشوارع الرئيسة، ورفعوا لافتات كتب عليها «دمنا ليس مهماً إلا في الحروب». والأهم من ذلك كله أن الجنود الإثيوبيين الذين كانوا في الخدمة، رفضوا ضرب أبناء جلدتهم، واختبأوا في مبنى قريب من الميدان.
أتذكر شفقتي المخلوطة بالعداء تجاه ذلك الجندي الأسود وأضحك في داخلي.
الآن، لا أشعر بأدنى تضامن معهم. فهؤلاء الآتون من «بلاد الحبشة»، احتلوا بلادي. وها هم يناضلون ضد ماذا؟ ضد عنصرية دولة ينشدون نشيدها في الميدان!
الآن، وأنا أفكر بحجم التناقضات التي يعيشها هذا الكيان، أقرر أن أخط رسالة لأصدقائي أقول فيها: «لا تحسدوني بعد اليوم على وجودي في لبنان. هل تفهمون ذلك يا رفاق؟ لا شيء يدعو للحسد، لا الكهرباء دائمة الانقطاع كحال المياه، ولا طريق الأوزاعي الذي أسلكه كل يوم والذي لا يشبه أي مكان على الإطلاق في العالم ولا حتى حي جاكوندا في أنقرة، أكثر الأماكن فوضى في العالم، تتعب عيناي وأنا أتابع التفاصيل الصغيرة، بين بسطة الجنارك، وإعلان البيرة الجديدة «Beirut Beer»، والرايات السوداء الباقية من ذكرى عاشوراء الأخيرة وهي تغطي جدار حسينية ما.
لا تحسدوني لأن الانفصام الذي أصبت به، مثلكم، وأنا أعيش في فلسطين، ما زال يلاحقني كشبح أصم!».


* يوم البيت: أطلقت لجنة المتابعة العربية في الداخل هذه التسمية بعد أن عينت يوماً للتظاهر ضد سياسة هدم البيوت العربية في فلسطين المحتلة.