أصبحت أشعر بأنني ممل، ولا أحسن الخروج عن النصوص، إنسان ممل وكأنني سجنت نفسي في موضوع محدد. لا أدري إن كان الموضوع هو الذي أسرني، أم أنني أنا الذي أسرت نفسي فيه ولا أتقن الكتابة في غيره؟ لماذا ما زلت أهذي بقصص اللجوء والنكبة والمخيمات؟ أهذا كل ما لدينا؟ ألم يخلق الله في العالم ويلات إلا للاجئين؟ هناك الكثير من المنكوبين في العالم جراء ويلات ومشاكل اجتماعية كالفقر مثلاً والمجاعات، أو كوارث طبيعية مثل الزلزال الذي حصل في النيبال.


أجدني حائراً في الإجابة، هل سأجيب ببساطة وأقول باختصار: لأنني فلسطيني، وأريح نفسي من عناء التفكير وإعطاء الموضوع ملامح فلسفية؟ أم أنّ فقدان الإنسان وطنه ليس بالكارثة التي يمكن التوقف عن الهذيان بها؟ كارثة مستمرة تستحق الكتابة بشكل دائم، بحيث ننظر إلى اللاجئ والنكبة من جميع الزوايا ونحاول أن نفسّر "الظاهرة" بمعانٍ وتجليات متعددة ومتناقضة؟
كل ما بتُّ أخشاه أن أقع في تحويل القضية إلى مجرّد انكسار رومانتيكي! فدائماً ما أحاول أن أعطي صفات مختلفة للنكبة، وميزات مغايرة للاجئ كإنسان مقهور، وليس كإنسان مثير للشفقة.
من هو اللاجئ الفلسطيني؟ الجواب البسيط أن نقول: هو الذي هُجّر من أرضه وبيته بعد نكبة عام 1948. لكن تعقيدات الإجابة في أن نعرف كل لاجئ على حدة، ونروي قصته عندما كان يجلس في بيته الأصلي إلى أن وصل مخيم اللجوء. لا، هذا لا يكفي. الأمر سيمتد إلى ما يعيشه هذا اللاجئ في اللجوء، أي أن نجري عملية تشريح لحاضره، وعلاوة على ذلك سيمتدّ الأمر إلى قراءة مستقبله. ياااااه! أكل هذا مجرّد تعريف للاجئ الفلسطيني؟! كم سنحتاج من الكتب والمجلدات لندوّن هذا التسلسل؟
قد يكون من السهل كتابة الماضي والحاضر، لكن كيف سندوّن المستقبل؟ لا تكترث! أنسيت الأسطورة العربية المسماة زرقاء اليمامة التي تقرأ المستقبل وتبصره قبل مجيئه؟
إن من أقسى ما يواجهه اللاجئ، هو النظر إليه كإنسان أقل قيمة بين أفراد مجتمعه، وما ذنبه؟ أهو الذي هجّر نفسه؟ يا للمهزلة! حتى اليوم لا أعرف ما سرّ النظرة التحقيريّة إلى اللاجئ، فما العيب في اللجوء وفي أن يكون الإنسان ضحية قمع واضطهاد جماعي؟
وعلى سيرة النظرة التحقيرية المذكورة، في إحدى المرات أثناء توجهي بسيارة تاكسي من وسط رام الله إلى جامعة بيرزيت، تلاسن سائق التاكسي مع صاحب سيارة أخرى خاصة بدا على صاحبها الغنى وحياة الترف. وبعد أن انتهت المشادة الكلامية بينهما والتي كان سببها سوء قيادة أحدهما ومضايقته للآخر في المسير، تقدمت تلك السيارة الخاصة إلى الأمام ومضت في سبيلها. حينها، قال سائق التكسي بغضب واحتقار: هه... شفت؟ أكيد عائد! سألته بفضول: "وكيف عرفت أنه عائد؟". فأجابني: "انظر إلى رقم لوحة سيارته".
عائد؟! من هو العائد؟ إنه الذي عاد إلى فلسطين بعد أن نزح منها إثر نكبة عام 1967. وسيكون الأمر يعيبه أيضاً لو بقي يحمل صفة "نازح"، يا الله! لماذا خلقتنا على هذه الشاكلة؟
انتظر لحظة. هناك سؤال في غاية الأهمية: على ذكر سيرة العائد، فهل إذا عاد لاجئو نكبة 48 الى البلاد، سيتحول اسمهم إلى "عائدين"، ويتم وصفهم بأساليب دونية وتحقيرية؟ يعني أن التحول من لاجئ إلى عائد لن يحلّ المسألة. إن الحلّ الوحيد هو اقتناء آلة زمن، وإرجاع الوقت إلى ما قبل النكبة، لا بل إلى ما قبل الهجرة اليهودية، لا بل إلى ما قبل قبل أن يؤسس اليهود فكرة الصهيونية. هكذا سنضمن أن نحافظ على صفاتنا الأولى الأصيلة، مواطن من فلسطين، ونرتاح من عبء الحيرة في التسميات.