يزورني، في كثير من أحيانٍ، أصدقاء من الداخل الفلسطيني. يختلف الفلسطينيون كثيراً. ففلسطينيو الداخل، لطالما اعتبروا فلسطين بلداً وأرضاً، حجارة ورملاً، بيوتاً ومنازل، بينما كان فلسطينيو الخارج يعتبرونها حلماً، وطناً مقدساً أقرب إلى المتخيل منه إلى الحقيقة الواقعية المحسوسة.

يوماً ما قال محمود درويش: لنا وطنٌ من خيال. أجل نحن من لديهم ذلك الوطن المتخيل المدهش الذي لا يشبه أياً من الأوطان المسكونة المعروفة.

لا يعرف الفلسطيني طريقاً إلى الهدوء حتى في أحلامه. ما الذي يجعله قادراً على أن يخوض ذلك الحلم بعيداً وحيداً غير الخوف؟ قبل أيامٍ كنتُ في رحلةٍ يفترض أن تكون مهدئة للنفوس، خروجاً للطبيعة، بعيداً عن ضجيج المدينة وصخبها. كان زملائي في تلك الرحلة قادمين من غزّة، المدينة الساحلية المدهشة، ذات التعداد السكاني الأكر كثافة في العالم، لكن الأهم من ذلك بالنسبة إلي أنها من فلسطين، فلسطين الحقيقية التي لا أعرف عنها شيئاً سوى ذلك المتخيل الذي يسكنني.
كان شباب غزّة يتحدثون عن ذكرياتهم هناك، عن أحلامهم، وأحزانهم، عن أهلهم، عن كل شيءٍ يدور حولهم هناك. من يتابع المشهد كان يمكنه أن يرى أنَّ أرواحهم كانت هناك لا هنا. أما أنا فكنت أرقب بهدوء كيف أن روحي بلا مكانٍ محدد، تدور في اللامكان شأني شأن آلاف الفلسطينيين خارج بلادهم.
كان الشباب يحكون عن ذكرياتٍ ضاحكة، عن أمورٍ فعلوها في تلك الأرض المقدسة بالنسبة إلي، لكنها بالنسبة إليهم – وإن كانت مقدّسة - وطنٌ حقيقي، لديه عيوبٌ وعلل، شأنه شأن أي من أوطاننا العربية. هذا ما لم أكن أتنبه إليه أو أحسه. فكيف تحسّ بآلام وطن متخيل وأوجاعه؟ هل تسأل نفسك إن كان يسبب لك الجوع؟ أو الحكة؟ أو حتى وجع الرأس والأقدام؟ هل ترابه أحمر؟ أم أصفر؟ هل طقسه صحراوي أم ساحلي؟ كل تلك الأسئلة لن تنفع الكتب والحكايات وكل القصص في الدنيا أن تجيبك عنها، تلك أشياءٌ محسوسة لا يجيبك عنها أحد، لا يستطيع أحدٌ إطفاء ظمئك إليها. كلها أسئلةٌ لا إجابات عليها إلا أن تلمسها بنفسك ساعتها تصبح الإجابة بسيطةٍ سهلة.
قبل سنين كان أحد أصدقائي يحلم تماماً بالعودة إلى فلسطين، شأنه شأن ملايين منا، سعى فادي إلى أن يحصل على جنسيةٍ أوروبية بكل ما أوتي من قوة. شاهد إحدى العاملات في مؤسسة أوروبية تعمل في المخيم الذي يسكنه، كانت أكبر من جدته، تقرّب منها، تودد إليها، وأقنعها بأنه يحبها، ويريد الزواج بها. هي لم تصدق في البداية، لكنها اقتنعت لاحقاً. فادي كان يرى هدفاً وحيداً واحداً، كان يريد الجنسية كي يذهب إلى فلسطين، كان يريد مشاهدة فلسطين بكل جوارحه. فعلاً حصل فادي على الجنسية الهولندية بعد سنة من زواجه بتلك الأوروبية.
نجح فادي بعد ذلك بسنةٍ تماماً في أن يحصل وإياها على إذن دخول إلى فلسطين، لم يكن يهتم أبداً بوضع فيزا صهيونية عدوة على جواز سفره، كان لا يرى أبعد من هدفه، كان محدداً إلى درجةٍ مدهشة. ذهب فادي إلى فلسطين، وأول ما فعله عند عودته، أن توقف في لبنان. كان يبحث عنا، نحن أصدقاءه القريبين. زارني قائلاً بحزن: أخوي، هاي بلد طلعت! بلد فيها برغش ونمل وحشرات! بلد فيها طرق وسير وسيارات وبيوت وناس زنخين ومزعجين زي اللي عنا! ضحكت، وأخبرته أن فلسطين بالتأكيد هي هكذا، وكيف لا تكون؟ لكنه أصر: بس ما كانت هيك القصة، مش هيك! إنو كل الوقت عم يضحكوا علينا، فلسطين كذا وفلسطين كذا! فأجبته بدقة هذه المرة، إذ أحسست بأن مشكلته أكبر: يا فادي يا أخوي مش هيك الأمور، إحنا بنشوفها هالقد مقدسة لإنها محتلة، ولإنها إلنا، بس انت فاهم غلط، هي الجنة لإنه احنا ما بترجع حقوقنا كاملة إلنا إلا بعودتها، هو موضوع معقد بس إنه ليش زايدها هالقد؟
فادي لم يفهم من كلامي شيئاً، أصبح بعد مدةٍ يقول إنه هولندي وليس عربياً حتى. لم أضغط عليه كي يغيّر أفكاره كثيراً، كنت أعرف أنه سيعود. وعند آخر عدوانٍ على غزّة، كان فادي في أول التظاهرة يصرخ بكل حنجرته، شاهدنا جميعاً الصور على الفيسبوك التي وضعها خلال مشاركته في مظاهرة في هولندا دفاعاً عن فلسطين وأهلنا في غزة. يبدو أن الشوق لفلسطين سكنه مرةً أخرى!