لم تكن جدتي "سودة" وحدها غريبة الأطوار أحياناً، حتى إني بتّ مقتنعة بأن أهل قريتها الأصلية في فلسطين "كويكات"، كلهم "يمتازون" بهذه الصفة! وإن صح حدسي أو ملاحظتي بالأصح، يمكنني القول بأن غرابة الأطوار رافقت جيل النكبة فرداً فرداَ. وكيف لا يصاب جيل العشرينيات من القرن الماضي بهذا المرض، بعدما تركوا البروة وعمقا وسحماتا والخالصة وترشيحا وشعب وغيرها من قرى "فردوس الوطن"؟ بعدما غادروا بيارات يافا وعكا وحيفا وأودعوا الله محاصيلهم وبيوتهم كما هي، على وعد زائف بالعودة بعد يومين أو ثلاثة؟ حتى إن جدتي لا تنفك تذكّرنا بأنها تركت القمح الذي كانت تعدّه من أجل خبز يوم غد.


"أم شادي البرصة"، كنت أعتقد في طفولتي أن هذا اللقب ليس إلا اسم تلك السيدة، تماماً كما أن اسمي تهاني نصار! جميع أحفاد "سودة"، الذين يتجاوز عددهم العشرين، كانوا يعرفونها بهذا الاسم. كانت أم شادي تزور جدتي باستمرار، بالرغم من أنني حسبما أذكر لم تكن سودة تعتبرها صديقة مقربة، إنما مجرد جارة، أو من إحدى معارفها. كلما جاءت لزيارة جدتي، تطرق الباب الحديدي الصدئ بخاتمها قبل الدخول الى الدار، ثم تنادي عليها حتى تصل الى غرفتها. تخلع "كندرتها" على "عتبة" الباب ثم تحملها بيديها، الفردة فوق الأخرى ثم تدسهما تحت إبطها، الى أن تتخذ لنفسها مكاناً تجلس فيه. ثم تسحب الكندرة من تحت إبطها وتضعها تحت كرسيها، أو إلى جانبها، إذا ما جلست على الأرض.
كنا نستغرب سلوكها جداً، إلى درجة أننا كنا نلقبها بـ"أم كندرة". وعندما كانت تسألني أمي "مين في عند ستك؟" كنت أضحك وأجيبها :"إذا ما في حفاية (حذاء) قدام الباب، يعني أم كندرة عند ستي"! فتضحك أمي ثم توبخني لوقاحتي وتقول :"عيب، مرا قد ستك ما بتحكي عنها هيك".
لم نكن لنعلم أن أم شادي البرصة لا تملك حذاء سوى هذه الكندرة العتيقة التي رافقتها طوال رحلة التهجير. لكن "سودة" كانت تعرف أحوالها جيداً. وفي أحد الأيام، أهدتها فستاناً من فساتينها المزينة بنقش الورود الصغيرة لترتديها في مناسبة خاصة. ولأن كل فساتين جدتي كانت تحمل ذات النمط، كنا نميزها من بعيد بسهولة.
وفي ظهر يوم ما، كانت أختي عائدة من مدرستها مع مجموعة من الأولاد و البنات، وإذا بها تلمح امرأة مرتدية ثوب جدتي، فما كان منها إلا أن ركضت خلفها تصرخ بملء حنجرتها :"فسطااااااان ستي ....فسطااااان ستي!!".
نظرت أم شادي البرصة الى الوراء، فرأت الأولاد يصرخون راكضين خلفها. في اليوم التالي، جاءت أم شادي عند جدتي، خلعت حذاءها ووضعته تحت إبطها، ثم دخلت حزينة الملامح، وما إن واجهت جدتي حتى قالت لها:" عيب يا سودة، هاي فستانك خديه". وبعدما علا صوت جدتي وهي تحاول فهم ما الذي حصل، ولماذا أعادت المرأة الفستان، فجأة، نادت "سودة" على أختي، ثم خلعت "شحاطتها" وأخذت تضربها أمام أم شادي البرصة، حتى اقتنعت بأن لا يد لجدتي في الحكاية كلها.