غزة | ربما لا يتذكر الفلسطينيون موعد «اللقاء الأول» الذي جمع بين مسؤول ملف المصالحة في حركة «فتح» عزام الأحمد، ونائب رئيس المكتب السياسي في «حماس»، موسى أبو مرزوق، لتوقيع أول اتفاق مصالحة بين الحركتين بعد الانقسام الفلسطيني عام 2007. لقد كان هذا في القاهرة، وتحديداً في أوائل أيار 2011، وهي لقاءات تكررت لاحقاً في «أجواء ودية»، ولكن المحصلة كانت دائماً «صِفرية».


اللافت أن إعلان الحركتين التوصل إلى اتفاق مصالحة، آنذاك، ينهي الانقسام، كان «مفاجئاً وبلا مقدمات»، وقد نظر إليه الفلسطينيون بتفاؤل حذر. وطوال تلك المدة، كان المراقبون والمطلعون على سير مباحثات المصالحة يبحثون عن السبب الذي جعل «حماس» توقع ما عرف باسم «الورقة المصرية» للمصالحة، بكل بنودها المختلف عليها، إذ إن تلك البنود استهدفت قطاع غزة وحده، دون الضفة المحتلة، من وجهة نظر الحركة التي طالبت بتطبيق بنود المصالحة على الضفة وغزة على السواء، وهو أمر رفضته «فتح» لأن الانقسام «حدث في غزة فقط، وقد كان تمرداً على الشرعية الفلسطينية، ممثلاً بالسلطة الوطنية ورئيسها محمود عباس».

كلمة السر: سوريا

داخل إحدى القاعات الفخمة في فندق «إنتركونتيننتال» في العاصمة المصرية، وأمام عشرات الكاميرات التي جاءت لتغطية الحدث، كان الإعلان عن اتفاق مصالحة جديد برعاية مصرية، حيثُ كانت المرة الأولى التي تجمع كلاً من عزام الأحمد وموسى أبو مرزوق. قابلتُ في بهو الفندق المذكور القيادي في «حماس»، عزت الرشق، الذي بدا هادئاً كعادته. سألته: «هل وافقتم على الورقة المصرية بكل البنود التي رفضتموها سابقاً واختلفتم عليها مع فتح؟». أجاب، وقد تجنب النظر في عيني مباشرة: «صحيح... لقد وافقنا عليها جميعاً وقبلنا الورقة المصرية كما هي».

تبقى المصالحة رهينة الظروف الإقليمية بالنسبة إلى الحركتين

ما لم يقله الرشق بالطبع هو سبب هذه «الموافقة المفاجئة»، وفي ذلك التوقيت بالذات، فقد عارضت «حماس» بشدة الورقة المصرية لأنها كانت ترى أنها تصب في مصلحة «فتح» (الأخيرة وافقت عليها ورحبت بها بمجرد صدورها)، خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، فما الذي حدث لتتنازل الحركة وتقبل؟
كانت «كلمة السر» للقصة بأكملها هي «سوريا»، فقد خسرت «حماس» الظهر الحامي الذي وفر لها الإمكانات على كل الصعد، بل ما لم يوفره أي نظام عربي آخر ــ شهادة أكدها مراراً العديد من قادتها الكبار في جلسات خاصة جمعت بيننا ــ فضلاً عن أن دمشق كانت تعتبر «عاصمة المقاومة» بالنسبة إلى كل من «حماس» و«الجهاد الإسلامي».
عقب الإعلان عن توقيع «الورقة المصرية»، رأيت مشهداً بقي راسخاً في ذهني لسنوات: أبو مرزوق والأحمد يتناولان العشاء على طاولة واحدة، وقد اختارا ما لذ لهما من طعام «البوفيه المفتوح» الفاخر من مطعم الفندق. يعود هذا المشهد ليراودني مراراً كلما تذكرتُ تصريحات الأحمد النارية ضد «حماس» وهجومه الشرس والمتكرر عليها، قبل هذا اللقاء وبعده. ومع تفكير في المسألة، فإن الأمر ببساطة: مخطئ من يعتقد أن الطرفين سيتصالحان، فكل ما يجري هو مجرد «لعبة»!

بعد سنوات

«لقد تم الاتفاق بين الطرفين، وسيأتي الأحمد إلى غزة ليوقع شكلياً على الاتفاق (الذي بات يعرف في ما بعد باسم اتفاق الشاطئ)، وسيمضي بعدها كل وزراء حكومة غزة إلى بيوتهم»، قالها لي أحد المطلعين على كواليس الأمور، قبل قدوم الأحمد إلى غزة بيومين، ليتبين لاحقاً أن معلومات الرجل صحيحة تماماً، ثم كان «اتفاق الشاطئ» الذي وقع في الثالث والعشرين من نيسان 2014، وأيضاً فرصة أخرى للأحمد وأبو مرزوق كي يلتقيا مجدداً، في غزة، وفعل المزيد من المجاملات والضحكات أمام عدسات الكاميرات.
ولعله لا يخفى أنه فضلاًً عن الأسباب الداخلية لعدم تطبيق أي بنود للاتفاقات منذ 2011 حتى العام الماضي، تعلق المصالحة بالأوضاع الإقليمية؛ فصعود جماعة «الإخوان المسلمين» إلى هرم السلطة في مصر أدى إلى تعطيل المصالحة من «حماس»، التي رأت أن الأوضاع الإقليمية صارت تصب في مصلحتها قبل أن تحدث انتكاسة جديدة، ثم مع مجيء السيسي اضطرت الحركة إلى إنهاء واقع «حكومة غزة»، وتسليم مقاليد الأمور ــ ولو شكلياً ــ إلى حكومة مقرها في رام الله، ولكنها عملياً فقدت ورقة «شرعية الحكم» في غزة.
بعد ذلك، جاء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة ليكون فرصة جديدة للقاء الأحمد وأبو مرزوق في القاهرة، ليس من أجل المصالحة هذه المرة، ولكن لبحث وقف الحرب مع الاحتلال. مضت الأيام وعادت التهديدات، ولكن الاثنين التقيا مجدداً في بيروت ليسمعا «نصائح» من السياسيين اللبنانيين بشأن ضرورة «الوحدة والعيش المشترك». أما غير المختلف عليه، فهو أن عنوان هذه اللقاءات كلها هو «الإخفاق المؤكد». تلك هي النقطة الأكيدة والوحيدة في معطيات لقاءات الرجلين الأخيرة وقد نالهما من ضيافة الفنادق ما يكفي... مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة والظروف.