لا تزال وسائل الإعلام الإسرائيلية تخوض سجالاً في ضرورة تأليف لجنة تحقيق رسمية في أسباب إخفاق العدوان على لبنان، معتبرة أن كل الحجج التي تعارضها «لا تصمد أمام العقل»

محمد بدير

خصصت صحيفة «هآرتس» افتتاحيتها أمس لعرض المبررات التي تراها موجبة لتأليف لجنة تحقيق رسمية، بعد ما وصفته بـ«الجهود الكبيرة التي بذلتها الحكومة لمنع التحقيق». ورأت الصحيفة أن «الجمهور الإسرائيلي الذي تعرض لسقوط أكثر من أربعة آلاف صاروخ يستحق أن يعرف ما الذي حدث»، ولا سيما أن «أياً من المسؤولين عن إدارة الحرب لم يستخلص العبر الشخصية... وثمة تخوّف من أن أحدهم لن يفعل ذلك إن لم يحصل ذلك عن طريق لجنة تحقيق رسمية».
وانتقدت «هآرتس» ظاهرة لجان التحقيق المتعددة التي أُلّفت أو ستُؤلّف، معتبرة أن المشكلة تكمن في أن من يتخذ القرار بتأليف هذه اللجان هو الذي يجب أن يخضع للتحقيق، بدءاً برئيس الوزراء إيهود أولمرت ومروراً بوزير الدفاع عمير بيرتس ووصولاً إلى رئيس هيئة الأركان العامة دان حالوتس.
وشددت الافتتاحية على أن «كل المقولات المعارضة لتأليف لجنة تحقيق رسمية قد سُمعت، وكلها لا تصمد أمام العقل. فالدولة لن تتوقف والحرب المقبلة ليست على الأبواب، والتحقيق لن يستمر لسنوات... ونتائج لجنة التحقيق الرسمية لها وزن حقيقي وفعلي ولا يمكن التهرب أو التغاضي عن توصياتهاوخلصت «هآرتس» إلى أنه «حتى لا ينقلب التحقيق في الحرب إلى مجرد حِدوة حصان، وحتى لا نرى شهوداً يرفضون الشهادة لأنهم لم يحصلوا على ضمانات، ولكي لا تهزأ اللجان المؤلّفة بالعائلات الثكلى أو بالقتلى، ولكي لا يظهر من جديد في الحرب المقبلة أمثال عران بيري الذي قُطعت أجزاء من جسده بسبب عدم توافر المادة المخدّرة لدى المُسعفين نتيجة أخطاء في التخطيط والإدارة، وحتى يتضح كيف أن هذه الاستخبارات الجيدة التي لا مثيل لها في العالم كانت لا تعرف ما الذي يحدث على بُعد 300 متر فقط من الحدود، ولكي نعرف ما كان يعلمه أولمرت عن موضوع الملاجىء عندما قرر أن يكشف شمال اسرائيل للصواريخ، وكذلك من هو المسؤول الكبير الذي «فرّ» من المكان الذي كان يُضرب وفي اللحظة الحرجة للغاية، ولكي يعرف، في المرة المقبلة، كل واحد من صناع القرار بأن هناك أسئلة ستُوجّه إليهم، وخصوصاً لكي تكون النقاشات شفافة وعلنية أمام الجمهور، وبأن قاضياً سيُعيّن المحققين، لا الذين سيُحقَّق معهم من سيُعيِّنونهم: كل هذا يؤكد الحاجة والضرورة لتأليف لجنة تحقيق رسمية».
وفي هذا السياق، اختار ران بيريتس في صحيفة «معاريف» مناقشة مفهوم النصر الإسرائيلي الذي تحدث عنه المسؤولون الإسرائيليون في العدوان على لبنان. وتساءل بيريتس «هل ننتصر عندما لا ينسى نصر الله اسم عمير بيرتس؟ الذي كان قد قال محتدّاً في أحد نقاشات الحرب: أريد لحسن نصر الله ألا ينسى اسمي مدى الحياة، أم ننتصر عندما يتم القضاء على عدد من المنصات في بيروت (كما اعتقد حالوتس)؟ أم عندما لا يستطيع أحد تهديد هذا الشعب بالصواريخ؟ أو ربما فقط عند مضاءلة قدرة حزب الله على إطلاق الكاتيوشا». ويتابع الكاتب «ماذا عن نشر القوات الدولية، الإنجاز التاريخي الذي رآه أولمرت في البدء عنواناً جيداً، لكن تجربتنا تُبيّن أنه خالٍ من المضمون، أو ربما إعلانه منذ بدء الحرب أن النصر هو أن نحرز إنجازات مثيرة لا سابق لها. على سبيل المثال، زعمه الذي دُحض فوراً، وهو أن بنية حزب الله قد دُمّرت تماماً في أعقاب عمليات الجيش الاسرائيلي، أو هل نكتفي بالمعيار الجديد: نصر الله لا يزال في الملجأ، فيما يتجول أولمرت حُراً ويقرر من يهبط في لبنان، لكن التعريف مؤسف قليلاً، في ضوء حقيقة أننا انتصرنا بحسب هذا المعيار منذ أول أيام الحرب، قبل نحو 150 قتيلاً، وأربعة آلاف صاروخ كاتيوشا وأكثر من مليون مواطن لاجئ أو في الملاجىء».
ويتوصل الكاتب إلى حل المعضلة عبر استعادة أهداف الحرب التي أعلنها أولمرت في الكنيست مطلع الحرب: إعادة الأسيرين وإخراج حزب الله من جنوب لبنان. «ومع كل ذلك، توقفت الحرب عندما أُنجز شيء مخالف تماماً: قرار آخر عن الأمم المتحدة في شأن لبنان 1701. وعلى رغم ذلك لم يتقبل اللبنانيون الـ1701، وتوصلوا الى اتفاقات مع حزب الله على عدم نزع سلاحه، والسماح له بحمله، وعدم مراقبة الحدود السورية، وأشياء أخرى. إذا كان الأمر كذلك، فإن الأمر لم يقتصر على أن التهريب مستمر وأن قدرات إطلاق الكاتيوشا لم تتضرر، بل إن قرار الأمم المتحدة يُبقي حزب الله في جنوب لبنان والمختطفين في يديه. إن الأمر عبارة عن فشل ذريع في إنجاز أهداف الحرب».