يوآل ماركوس ـــ «هآرتس»


ليس مصادفة أن غالبية الجمهور ترغب في أن تقرر الحكومة تأليف لجنة تحقيق رسمية برئاسة رئيس المحكمة العليا في الوقت الحالي، أهارون براك. لماذا لجنة تحقيق رسمية؟ لأن ثقة الجمهور بكل مقدسات الأمة، وقادتها وحاخاماتها، موظفيها ووزرائها وغيرهم، آخذة في التضعضع.
تبددت الثقة باستقامة السياسيين واستقامة الحكومة ونزاهة الهيئات العسكرية، واستقامة قادة الجيش وقدراتهم، واستقامة أعضاء الكنيست، وقادة الجمهور كائناً من كانوا. فُقدت الثقة بوزير العدل المتهم بتقبيل امرأة شابة رغماً عنها، وبالوزير البارز المشتبه فيه بارتكاب تعيينات سياسية، وبرئيس يتعرض للتحقيق بتهمة التحرش الجنسي، وبرئيس هيئة أركان باع أسهمه قبل الحرب بساعتين، وغير ذلك الكثير الكثير من الأمور المشابهة. الثقة أيضاً فُقدت بدرجة أكبر بالمشتبه فيهم الذين يمولون أنفسهم والمقربين منهم وبلجان التحقيق التي تؤكد استقامتهم.
في ظل هذه الظروف، تتوثب غالبية الجمهور كرجل واحد وتطالب بلجنة تحقيق رسمية للتحقيق في كل الظواهر المرضية. هذا التشبث بالتحقيق الرسمي وكأنه مخلص قومي، يماثل حالة الإفلاس الشعبي وفقدان الثقة بأنظمة الحياة العامة التي تحكمنا.
معروف أن أولمرت معارض لتأليف لجنة تحقيق رسمية حول الحرب، وخصوصاً لأنها تتناقض مع أنظمة الحكم الديموقراطية المعتادة التي تترك الحسم في مثل هذه الأمور للناخبين. لكن، لو كنت هزلياً مثل إيهود أولمرت، لفاجأت الجمهور والمتظاهرين في الساحات وأعضاء الكنيست الذين يرغبون في إسقاطه وشركاءه في الحكومة الذين يؤدون لعبة مزدوجة وقلت لهم: غداً سأطلب إلى الحكومة أن تؤلّف لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاض من المحكمة العليالماذا؟ هو رئيس للوزراء منذ أربعة أشهر فقط، وبإمكانه أن يقول للجنة التحقيق إن عليها أن تحقق في كيفية وصولنا الى مثل هذا العدد من الإخفاقات المتراكمة منذ زمن طويل. على أولمرت أن يقول للجنة التحقيق: لست أنا من أفسدت المنظومة القائمة. لجنة التحقيق ستضطر الى التحقق من الأوضاع بأثر رجعي لخمس سنوات إلى الوراء، وستضطر إلى التحقق من كيفية نشوء الإخفاقات من دون أن يُحرك أحد ساكناً. ستضطر إلى التحقق مما فعله بنيامين بن اليعيزر وأرييل شارون وشاؤول موفاز خلال خدمتهم، وموشيه يعالون الذي يقول عنه مقربون منه إن قلبه مليء، ودان حلوتس الذي لم يزن الأمور بصورة صحيحة، إلا أن أولمرت لم يعيّنه.
يستطيع أولمرت أن يقول للجنة التحقيق الرسمية: أنا الذي بلور للمرة الأولى أجواء دولية من أكثر الأجواء التي شهدناها دعماً لنا في أي وقت من الأوقات في كفاحنا ضد الإرهاب. لقد مُنحنا كل الوقت الذي نريده لضرب حزب الله، وفي نهاية المطاف حصلنا على قرار يُبعد حسن نصر الله عن جنوب لبنان، وقرار بدخول قوات دولية والجيش اللبناني الى الجنوب، كما أملنا منذ سنوات طويلة. من هذه الناحية، انتزعت القرار الأفضل الذي كان من الممكن الحصول عليه لمصلحتنا. أنا، أولمرت، في رئاسة الوزراء منذ 120 يوماً فقط، ولن أكون مسؤولاً إلاّ عن الإخفاقات التي حدثت إبان حكمي.
قرر أولمرت تأليف سلسلة لجان لتقصي الحقائق أهمها لجنة تقصي المستوى السياسي، بدلاً من تأليف لجنة تحقيق رسمية واحدة. خدعة تعدد لجان تقصي الحقائق بدلاً من لجنة تحقيق رسمية، تُذكّر بمقولة معروفة لهاري ترومان: "إذا كنت لا تستطيع إقناعهم، فعليك أن تزرع البلبلة فيهم". ستقرر لجان تقصي الحقائق ما تقرره كل في مجالها، ولكنها ستدخل في كل الزوايا التي تستوجب الفحص في المجال السياسي من دون لجنة عليا تكون بمثابة الموجه الأعلى.
لجنة التحقيق الرسمية برئاسة قاضي المحكمة العليا، مسألة جيدة فقط لحدث صدمة يحصل مرة واحدة، وشكّل أو سيشكّل خطراً على وجود الدولة. لكن ليس كنهج حياة سياسي لنبش الماضي بمفعول رجعي.
لقد أحسن أولمرت صنعاً إذ وضع هزليته التي لا تنقصه جانباً لمصلحة حكم ديموقراطي يُصدر فيه القاضي الأحكام، والنــــاخب هو الذي يقرر ويعزل.