يوفال شتاينيتس (هآرتس)


لماذا عجزت دولة اسرائيل عن أن تهزم في ساحة القتال منظمةإرهابية صغيرة نسبياً، مثل حزب الله، تعمل من أرض أصغر،من أضعف دول المنطقة؟ كيف فشلنا، ليس في إحراز الأهداف المعلنة التي خرجنا باسمها لتنفيذ العملية فحسب، بل في شيء أخطر بكثير: الدفاع عن دولة اسرائيل في وجه الهجوم الصاروخي الذي استمر أكثر من أربعة أسابيع؟
هل يتعلق الأمر بفشل موضعي ناجم من قيادة سياسية تفتقد إلى التجربة؟ أو ربما يكون الأمر كامناً في عجرفة قيادة الجيش الاسرائيلي وكبريائه، قيادة سدّت أذنيها عن النقد لاعتمادها المبالغ فيه على غرائب القوة الجوية؟أو لربما تكون كل هذه الأشياء مجرد أعراض لمرض أخطر بكثير اسمه: ثقافة الحرب التي تبنّيناها في السنوات التي انقضت منذ حرب لبنان الأولى في 1982.
لا يوجد أدنى شك في أن ثقافة الحرب التي أورثنا إياها ديفيد بن غوريون، والتي كان التعبير الأبرز عنها في السبعينيات والثمانينيات هو أرييل شارون، كانت ثقافة غربية تسعى الى حصار العدو والقضاء عليه في المواجهة، فالجيش الاسرائيلي في عهد بن غوريون سعى الى استغلال كل تفوق لإخراج العدو عن توازنه، والى حصاره بعد ذلك والى إبادته كقوة مقاتلة.
الحرب المثيرة على نحو خاص هي حرب لبنان الأولى في 1982، لأن الجدل العام بشأن تعريف أهداف هذه الحرب كان في واقع الأمر جدلاً لاذعاً في ثقافة الحرب. انقسم الجمهور والإعلام، وفي أعقابهما الكنيست والحكومة، بين مؤيدي الحرب التكتيكية ومؤيدي الحرب الاستراتيجية من أجل إخضاع العدو.
يدل فحص التاريخ العسكري منذ نهاية حرب لبنان على انفصال تدريجي عن تراث الحرب الغربية. ففي فترة ما من الثمانينيات، توقفنا عن الحديث عن الطموح الى إخضاع العدو أو القضاء على قدرته القتالية بالضربة القاضية، وبدأنا نُنمّي ثقافة تُقدّس الاكتفاء بـ«النصر بالنقاط» أو «كي الوعي». وبكلمات أخرى: ثقافة الاكتفاء بأن يستوعب الجانب الثاني أن من الصعب عليه أن يُخضعنا. في زمان ما في الثمانينيات، أصبح «النصر» كلمة معيبة، وتحولنا بدلاً منها الى الحديث عن الحصول على «صورة نصر»، أو «تأثير انتصار في الوعي» مع افتراض أنه يمكن الحصول عليهما بثمن رخيص نسبياً من جهة الخسائر في الأرواح.
بالإضافة الى ذلك، بدأنا في زمان ما في التسعينيات نستبدل مبدأ بن غوريون بتصور جديد لحرب ساكنة مع اعتماد زائد على التفوق الجوي الذي سيفضي الى إخضاع العدو.
كيف يتصل كل هذا بحرب لبنان الثانية؟ أفضت هذه المعركة، التي بدأت بصوت عالٍ وانتهت بصوت واهن ضعيف، الى أحسن تعبير عن ابتعاد اسرائيل من ثقافة الحرب الغربية. في هذه المعركة، تصرفت اسرائيل كمن ترى المعركة مواجهة تُقاس الإنجازات في نهايتها أو تنتهي بعدد النقاط. بمعنى تحديد من الذي أصابته الخسائر والأضرار الأكبر، في الممتلكات والبنى التحتية، وأي جبهة داخلية حافظت على أعلى روح معنوية خلال تلقّي الضربات.
نجح أولمرت، الذي رغب في الامتناع حتى عن عملية برية محدودة في لبنان، في تضليل الشعب والدولة، بالإيحاء أنه يسعى الى إنجاز حسم استراتيجي. المشكلة من جهته هي أنه اضطر، قُبيل انتهاء الحرب، وبضغط من الجيش والشعب، الى الخضوع والإعلان عن عملية برية تُبرر التوقعات العالية التي أوجدها، وإبقاء الشمال في الملاجىء.
إن فشل حرب لبنان الثانية هو فشل ثقافة الحرب الجديدة. رغم أن رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان هم من أبرز الممثلين لتلك الثقافة الحربية، إلا أنه لا ينبغي تحميلهم وحدهم المسؤولية كلها. ذلك أن خطط الجيش الاسرائيلي للحرب، والتأكيدات في بناء القوة، التي صيغت في الأساس في فترة رئيس الأركان ووزير الدفاع السابقين، تدل على أن أولمرت وبيريتس وحالوتس ممثلون لمشكلة اجتماعية وثقافية أعمق.
تطور تصور الحسم من الجو في السنوات الأخيرة، ونبع من ذلك إلغاء الحاجة الى تحسين قوة النار من البر ومن البحر. وفي ما يتعلق بلبنان، طُوّر تصور القضاء على القذائف الصاروخية وصواريخ الكاتيوشا من الجو، ونشأ عن ذلك اعتقاد بأنه يمكن إدارة مواجهة واسعة مع حزب الله من غير الحاجة الى عملية برية. وكان من نتيجة ذلك أن أُهملت قوات سلاح المشاة، والمدرعات والمدفعية. لأنه إذا كان يمكن حل كل مشكلة بتدخل جوي، فما الداعي الى مواصلة تعزيز القوة البرية والبحرية؟
أيقظتنا الصفعة التي تلقّيناها، من غفوتنا الدوغمائية. حدثت لنا معجزة بأن كُشفت عيوبنا ونقاط ضعفنا في مقابل خصم صغير هامشي غير قادر على تهديد جوهر وجودنا.
من طبيعة المجتمعات المدنية والديموقراطية، استخلاص الدروس بسرعة والخروج متعززة من إخفاقاتها حتى خلال الحرب. أصبح الجيش الاسرائيلي اليوم جيشاً أقل عجرفة وأقوى مما كان قبل الحرب. إذا استخلصنا الدروس الصحيحة بجرأة وحكمة، فسنستطيع أن نقول برضى إن «ربّ ضارة نافعة».