بعد يوم واحد فقط من إعلان بدء العمل بخطة الفصل العنصري في المواصلات العامة بين الفلسطينيين والمستوطنين، عادت القيادة الإسرائيلية وجمدت هذه الخطوة من دون أن تشرح الأسباب التي تكمن وراء هذا، مع أنه أتى في أعقاب انتقادات واسعة داخلية وخارجية. رغم ذلك، من المؤكد أن هذا التجميد لم يأت نتيجة مراجعة للبعد القيمي لهذه الخطوة، ولا بفعل تحرك نوازع «إنسانية» لدى المسؤولين الإسرائيلية أو حتى لمجرد الانتقادات التي لقيتها هذه الخطوة، وخاصة أن إسرائيل سبق أن فعلت خطوات أخرى لقيت انتقادات واسعة في الداخل والخارج.

قد لا يكون هناك حاجة إلى معلومات لاستشراف دوافع تغيير سريع بهذا القدر، وتحديداً من الثنائي بنيامين نتنياهو وموشيه يعلون، للقول إن الأمر يتعلق بتوقع تداعيات غير مرغوب فيها خلال هذه المرحلة التي يحاول فيها نتنياهو التسويق لحكومته.

من هنا، أتى هذا التراجع وفق حسابات الكلفة والجدوى. مع التشديد على أن هذه الخطوة لا تعني التخلي عن الفكرة، بل هي تجميد للقرار (فصل المواصلات العامة بين الفلسطينيين والمستوطنين)، على أمل اختيار توقيت أكثر ملاءمة. ويبدو كذلك أن نتنياهو يهدف إلى تجنب نشوب أزمة أحوج ما تكون حكومته الجديدة إلى تجنبها في هذه المرحلة.
ومن الملاحظ، أيضاً، أن هذا الأمر جرى بالتزامن مع زيارة وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديركا موغيريني، إلى الأراضي المحتلة. هذا من دون حساب رد الفعل الأميركي في ظل تراكم الملفات الخلافية بين إدارة باراك أوباما ونتنياهو.
وكانت إسرائيل قد قررت قبل يومين منع فلسطينيي الضفة المحتلة الذين يتوجهون يومياً إلى إسرائيل للعمل، من ركوب الحافلات نفسها مع الإسرائيليين للعودة إلى منازلهم. وجاء في قرار وزارة الأمن الإسرائيلية: «بموجب إجراء يدخل قيد التجربة لثلاثة أشهر سيترتب على الفلسطينيين العاملين في إسرائيل اعتباراً من الأربعاء العودة إلى منازلهم عبر نقاط العبور نفسها دون أن يركبوا الحافلات التي يستخدمها المقيمون الإسرائيليون».
وقد لقي القرار الإسرائيلي انتقادات واسعة أبرزها ما صدر عن القيادي في حزب «الليكود»، جدعون ساعر، الذي وصف الخطوة بأنها ستؤدي إلى ضرر كبير لصورة إسرائيل في العالم، ودعا إلى إلغاء الخطة لتقليص حجم الأضرار. كذلك قال رئيس «المعسكر الصهيوني»، يتسحاق هرتسوغ، إن «الفصل بين الفلسطينيين والمستوطنين في المواصلات العامة هو إذلال لا داعي له، ووصمة عار على الدولة ومواطنيها، ويصب الزيت على نيران كراهية إسرائيل في العالم».
في الإطار نفسه، قالت زعيمة حزب «ميرتس، زهافا غلاؤون»، إن «هذا هو الفصل العنصري، ولا يوجد وصف أفضل من ذلك يمكن أن تسمعه الأذن»، وأضافت أن الفصل في الحافلات على أساس عرقي كان في الماضي لدى أنظمة الحكم العنصرية حول العالم، «ولا يمكن أن تكون مقبولة لدى الأنظمة الديموقراطية».
مع ذلك، رحب حزب «البيت اليهودي»، بتطبيق خطة الفصل بين مسافرين وفلسطينيين في الحافلات التي تسير في الضفة، معتبراً أن هذا الأمر يقدم حلاً أفضل «للسكان في الضفة»، كذلك وصف عضو الكنيست موتي يوغيف، عن «البيت اليهودي»، معارضي هذه الخطوة بأنهم «لا يدركون الواقع... هم منافقون وعديمو المسؤولية».
في سياق آخر (الأخبار)، أعلن المنسق الخاص الجديد للأمم المتحدة، في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، إن المنظمة الدولية ترغب في العمل مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة من أجل «حل يقوم على دولتين»، أي دولة فلسطينية تتعايش مع إسرائيل، وذلك «في أقرب مهلة معقولة».
وقدم ملادينوف، وهو دبلوماسي بلغاري خلف الهولندي روبرت سيري، أول تقرير له عن الوضع في الشرق الأوسط أمام مجلس الأمن، ورأى أن «المرحلة المقبلة ستكون حاسمة من أجل مستقبل عملية السلام». وأضاف: «أنتهز هذه الفرصة كي أدعو الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلى اتخاذ إجراءات ذات صدقية، بما في ذلك تجميد النشاطات الاستيطانية من أجل تسهيل عملية استئناف مفاوضات جدية» مع الفلسطينيين، متابعاً: «يجب مواصلة التعاون الأمني بين السلطات الإسرائيلية والفلسطينيين لا تزال عنصراً مهماً من أجل تسوية سياسية».
وبشأن غزة، طالب ملادينوف بتسريع إعادة إعمار غزة التي هي «بحالة غضب وعلى شفير اليأس» منذ الهجوم الإسرائيلي في صيف 2014. وقال: «تحاشي الانفجار في غزة هو واجب أخلاقي وإنساني ليس فقط بالنسبة إلى الأمم المتحدة، ولكن أيضاً للأسرة الدولية، وأولاً وخصوصاً للسلطات الإسرائيلية والفلسطينية».
إلى ذلك، قال سفير فلسطين لدى هولندا، نبيل أبو زنيد، إن بلاده ستقدم وثائق بملفي الاستيطان وجرائم الحرب الإسرائيلية في غزة، للمحكمة الجنائية الدولية في 25 حزيران المقبل، تتبعها زيارة رسمية هي الأولى للمحكمة الجنائية الدولية لفلسطين بعد شهر من تسليم الوثائق. وأضاف أبو زنيد في حديث أمس، أن «وزير الخارجية الفلسطيني سيترأس وفداً فلسطينياً يضم عدداً من الحقوقيين والمؤسسات الفلسطينية ذات الاختصاص وسيقدمون الوثائق».