لن تنضب بئر الاستراتيجيات الأميركية، قريباً، والعراق سيبقى مسرحاً وحقل تجارب لها، على المدى القريب والبعيد، بحيث يمكن أن تؤدي «الاستراتيجية» الواحدة (جديدة أو معدلة)، في كل مرة، دوراً جوهرياً في إخفاء التخبّط الذي تعانيه الإدارة الأميركية في مواجهة «داعش» في العراق، الذي كان تقدمه وسيطرته على الرمادي، محط انتقاد كثيرين، انطلاقاً من الجمهوريين، مروراً بالديموقراطيين، وصولاً إلى كاتبي الأعمدة في الصحف الأميركية والمحللين المخضرمين، وذلك بعدما دأبت إدارة الرئيس باراك أوباما، في الفترة الأخيرة، على الترويج لتأثير الحملة الجوية على تقدم «داعش»، وبالتالي إجباره على التراجع في أماكن عدة.


أمس، أعلنت الإدارة الأميركية أنها ستراجع استراتيجيتها في العراق، وذلك بعدما كانت قد أكدت عدم تغيير هذه الاستراتيجية، عقب اجتماع عقده باراك أوباما مع مجلس الأمن القومي لتقويم الوضع في العراق، وتمخّضت عنه نتائج أولية تمثلت في إعلان واشنطن «رغبتها» في تسريع دعم العشائر السنية في الأنبار (غرب العراق).
مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية قال إن الولايات المتحدة تعمل على «إعادة النظر» في استراتيجيتها في العراق، مؤكداً أن واشنطن «ستساعد» بغداد لاستعادة هذه المدينة «في أسرع وقت ممكن». كذلك أعلن أن حكومته ستسلم القوات المسلّحة العراقية نحو ألف منظومة صواريخ مضادة للدروع.
واعترف هذا المسؤول بأن سقوط كبرى مدن محافظة الأنبار، في 17 أيار، يعكس «وضعاً خطيراً جداً»، لكن لا تمكن مقارنته بـ«انهيار الموصل» التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» منذ هجومه الصاعق، في حزيران الماضي.
وأكد الدبلوماسي الأميركي أنه «في ما يتعلق باستعادة الرمادي، سنساعد العراقيين على تحقيق ذلك بأسرع وقت ممكن».
رغم ذلك، فقد شكل سقوط المدينة نكسة للاستراتيجية الأميركية. فعلى الرغم من أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يقدم الاستشارة والتدريب للقوات العراقية وأبناء العشائر ــ بالتوازي مع الضربات الجوية ــ قد أسهم في استعادة بعض المناطق، لكنه لم يحل دون تقدم التنظيم في الأنبار، ما فتح الباب أمام تعليقات سلبية كثيرة ضد إدارة أوباما.
معهد «دراسة الحرب» في واشنطن، المعنيّ بالشؤون العسكرية، ذكر أن سقوط الرمادي كان من الممكن تفاديه. وقال إنه «لا داعش ولا تنظيم القاعدة تمكنا (في السابق) من السيطرة على مدينة مهمة مُدافع عنها، بشكل فاعل، من قبل الولايات المتحدة وقوات محلية»، ليخلص إلى أن «هذا ما يحدث عندما (تتبع) سياسة من إجراءات منقوصة وقيود ومواقف، في مواجهة عدو ماهر ومصمم في الميدان».
كذلك، فقد وصف الكاتب في صحيفة «واشنطن بوست» ديفيد إغناتيوس، سقوط الرمادي بالـ«إعادة المأسوية»، مؤكداً أن «سيطرة عناصر داعش على الرمادي، خلال الأسبوع الماضي، يعد انتكاسة كبيرة لاستراتيجية الولايات المتحدة في العراق، إذ يظهر أنه، بعد نحو سنة على اجتياح المتطرفين للموصل، يبدو أن الولايات المتحدة لا تملك خطة قابلة للتطبيق لحماية المناطق السنية في البلاد». وتساءل إغناتيوس: «لماذا لم تقم الولايات المتحدة والعراقيون بتقوية المواقع العسكرية هناك، رغم التنبؤ منذ أسابيع بأن داعش يسير في اتجاه السيطرة على الرمادي؟».
مع ذلك، فقد رأى إغناتيوس أن «على الولايات المتحدة أن لا تتخلى عن استراتيجيتها: فالحرب لا تزال حرب العراق، وليست حرب أميركا».
من جهته، أشار إيثان ثارور في مقال في «واشنطن بوست» إلى أن «الخطيئة الأصلية، بحسب ما يراها البعض، هي حلّ الجيش العراقي بعد الاجتياح الأميركي عام 2003». لكنه لفت إلى أن «السقوط الحالي الذي شهده الجيش العراقي، له جذور في مزيد من المشاكل المباشرة، وهي نقص المعدات والقدرات الاستراتيجية».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)