عند دخول «أنصار الله» صنعاء دخلت السعودية في حالة انعدام للوزن، حيث هالها ضياع دورها في اليمن وفقدانها السيطرة والنفوذ فيه.

هرب الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى عدن، فوجدت السعودية ضالتها، وسارعت إلى ملاقاته بحشدٍ هائل من الإمكانات السياسية والمالية والإعلامية، متجاهلةً أن الزمن هو أيضاً من أدوات العمل الذي لا يصح تجاوزه، وأنه في حالات كهذه يعكف القادة والخبراء على وضع استراتيجية طويلة الأمد تُدرس فيها الآليات المثلى بناءً على الظروف الموضعية.

وخلال فترة الشهر التي مكثها الرئيس الفار هادي في عدن، قام آل سعود بعمل حثيث على الأرض لتثبيت نفوذهم في الجنوب، فحشدوا ما أمكن من المسؤولين الحكوميين والقبائل والأحزاب والشخصيات، عدا عن التأييد العربي والدولي. كان واضحاً أن هدف المساعي السعودية في عدن يتعدى جعل الجنوب شطراً يقيم توازناً مع صنعاء حيث نفوذ «أنصار الله»، فحالة الاستقطاب التي أوجدتها لم توفر حتى تنظيم «القاعدة» بصيغ ومسميات مختلفة.
وخلال وقتٍ قياسي، تحول الجنوب إلى منصةٍ باتت تشكل تهديداً مباشراً للمحافظات الشمالية بأكملها. وخلال أيام قليلة، نفذ فريق السعودية عدداً من العمليات يوحي سياقها بأنها جاءت بشكلٍ منسق وموجه: اغتيال الناشط في «أنصار الله» عبد الكريم الخيواني، إعدام للجنود الشماليين، اقتحام المقار الحكومية والأمن الخاص في عدن، إضافة إلى تنفيذ عمليات انتحارية في مساجد صنعاء. بالتزامن، اتخذ هادي قرارات تستفز «أنصار الله» وتدفعهم نحو «خيار العلاج الأخير»: البتر.
بدأ العدوان على اليمن مستخدماً سياسية «الأرض المحروقة» والعقاب الجماعي، فتنقلت المجازر على امتداد البلاد، فارضاً الطوق على الحدود البرية والبحرية والجوية، ومحكماً الحصار الشامل في محاولةٍ لإعدام كل سبل الحياة. فوصل اليمن إلى حالة الكارثة الانسانية والشلل التام في المؤسسات العامة والخاصة. ورغم ذلك، استمر السعودي بعدوانه غير آبه لنداءات وقف إطلاق النار أو تحييد المدنيين، لأن عقلية قادته تصرّ على فرض استسلام جماعي وكي الوعي الشعبي، لإخضاع اليمنيين لأجيال.
ولما استمر الصمود اليمني، لم يعد أمام هؤلاء القادة سوى تفريغ أحقادهم والتعبير عن فشلهم بتنفيذ ما اصطلح على تسميته إسرائيلياً بـ«عقيدة الضاحية»، ولكن في الحالة اليمنية بات اسمه: الثأر لنجران. فصبّوا جام غضبهم على مدينة صعدة وذهبوا إلى المدى الأبعد بتدمير المقامات الدينية للمذهب الزيدي، لكونها تمثل مكانة رمزية ووجدانية في عقول وقلوب ليس أتباع المذهب الزيدي فحسب، بل يدخل في مكانة هذه المقامات العامل السلالي، حيث إنها لأهل البيت، الأمر الذي يتشارك فيه المذهبان الرئيسيان في اليمن، الزيدي والشافعي على السواء.
بعد ذلك، وإزاء ضغط المشهد الإنساني الكارثي، جرى فرض الهدنة، غير أن شراهة القتل والإجرام ظلّت تلاحق اليمنيين حتى آخر دقيقة قبل بدء سريانها، كما استمرت خلالها آلة القتل تلاحقهم دونما إيفاء بعهد أو التزام بكلمة وموقف.
والآن، يستمر آل سعود بعدوانهم من دون قيود وضوابط تحكم الحروب عادةً. أعداد الضحايا تزداد، وما تبقى من البلد يجري تدميره. وفيما قارب العدوان الشهرين، لا يزال الأفق السياسي مغلقاً، بسبب التعنت السعودي الرافض لأي حلّ أو تسوية بإيجاد مخرج سياسي. وعليه، لقد أصبح واضحاً أن العدوان يدار بالعقلية الصحراوية القاسية التي لا تعير أي اهتمام للقيم والمبادئ أو حتى المصالح. إنها العقلية نفسها التي أدارت حرب الجاهلية بين القبائل في شبه الجزيرة العربية التي أطلق عليها حرب (داحس والغبراء) واستمرت أربعين عاماً.