حينما وصلت شظايا القذائف إلى مكان تجمع الصحافيين قرب أحد مستشفيات غزة، صار واضحاً أن الخطر يطاول أكثر الأماكن المفترض أنها آمنة في الحرب. لكن الصحافيين في غزة لا ينسون كيف كانوا يبحثون عن معدات السلامة، كالدرع الواقية وخوذة الرأس، في الحروب، ولم يجدوها. هذه المعدات متوافرة عادة لصحافيي المؤسسات الأجنبية والدولية، فيما يكتفي الباقون بتفصيل الشكل الخارجي للسترة الواقية المميزة بشارة press المضيئة في الظلام، من دون أن تكون حامياً حقيقياً لهم.

أربعون صحافياً وإعلامياً فلسطينياً استشهدوا منذ بداية انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000، قضى أكثر من نصفهم في حربي 2012 و2014، فيما فاقت أعداد من أصيب منهم مئة شخص. والأكيد أن هؤلاء لم يُقتلوا لأنهم لم يؤمّنوا أنفسهم بالخوذ والستر الواقية، في ظل الاستهداف المتعمّد والمباشر.
الصحافي سامي أبو سالم يرى أن تلك المعدات، على أهميتها، كان من الممكن أن تحمي الصحافيين خلال تغطية المواجهات الشعبية، كرشق الحجارة التي يقابلها جنود العدو بإطلاق الرصاص الحي، كما يجري في الضفة الآن، في حين أن شكل الحروب التي شهدتها غزة ما بين 2008 حتى 2014، قللت من فعالية الدرع والخوذة. يذكر أبو سالم، وهو مدرب في السلامة المهنية، كيف قتل العدو مصور وكالة «رويترز» الدولية، فضل شناعة، في منطقة جحر الديك شرق قطاع غزة، رغم التزامه كامل معايير السلامة التي من بينها السيارة المصفحة. لكنه يضيف في حديثه إلى «الأخبار»، أن «وجود المعدات ضرورة لنزع الذريعة من الاحتلال».

تمنع إسرائيل منذ 6 سنوات دخول الخوذ والدروع والسيارات المصفحة

https://www.youtube.com/watch?v=RC1R6KldwW0
وترفض إسرائيل منذ 2009 دخول معدات السلامة إلى قطاع غزة، وتتذرع بإمكانية أن تستغل هذه المعدات في أعمال المقاومة. يقول تحسين العطل، وهو نائب نقيب الصحافيين الفلسطينيين، إن «الاحتلال لا يسمح بدخول الستر الواقية وخوذ الرأس، إضافة إلى السيارات المصفحة سوى للمؤسسات الأجنبية... بذلنا جهوداً كبيرة بالشراكة مع الاتحاد الدولي للصحافيين وقدمنا ضمانات لإدخال عشرات السترات إلى مستحقّيها، لكن إسرائيل رفضت».
المشكلة لا تتوقف عند حدود معدات السلامة المهنية، بل تمتد إلى ظروف العمل في الوكالات المحلية التي تغيب عنها اعتبارات السلامة، إلى حدّ يكون فيه استشهاد الصحافي «أرحم» عليه من إصابته. المصور مؤمن قريقع أصيب أثناء إعداده تقريراً مصوراً عن حصار غزة قرب معبر المنطار شرقي القطاع عام 2008، وفقد إثر ذلك ساقيه الاثنتين. يوضح أن الوكالة المحلية التي كان يعمل معها «خدعته» برغم وجود عقد عمل رسمي معها. ويضيف: «عقدي كان سنوياً، لكنه لا يراعي معايير السلامة؛ بعدما خسرت أطرافي تقاضيت راتبي بقيمة 350 دولاراً على مدار ثلاثة أشهر، ثم أُقلت من عملي». اليوم، يواصل قريقع عمله في التصوير عبر كرسي متحرك.
وتعمدت إسرائيل في الحرب الأخيرة قصف عدد من المكاتب الصحافية، ما أدى إلى إصابة أكثر من 20 صحافياً، بعضهم بترت أطرافهم، فضلاً عن استشهاد سبعة عشر.
ظروف العمل الصحافي في غزة تختلف وفق جهة العمل، فبخلاف المؤسسات الدولية التي تتمتع بامتيازات كبيرة كمستوى الدخل المرتفع وتوافر شروط السلامة والتأمين، هناك أكثر من مئتي مؤسسة إعلامية مرخّصة في وزارة الإعلام، يحكم العاملين فيها قانونُ وزارة العمل، الذي لا يعطي أي امتيازات خاصة لمهنة الصحافة، وفق حديث سلامة معروف، وهو المدير العام لـ«المكتب الإعلامي الحكومي»، في الحكومة السابقة في غزة.
الأكثر خطورة من مشكلة قانون العمل، هو العمل في شركات الإنتاج المحلية، بعد أن تدفع الظروف المادية الصعبة الصحافيين إلى التنازل عن حقوقهم التي نص عليها القانون، كالعمل من دون عقود أصلاً. وبرغم إجراءات الوزارة الرقابية، فإن معروف لا ينفي أن الشركات المحلية تبرم عقوداً مع عدد محدود من الموظفين من أجل موافاة شروط الترخيص والأوراق الرسمية فقط، وغالباً ما تكون الاتفاقات بينها وبين معظم من يعملون فيها «شفهية وأدبية».
في الجانب الحقوقي، يشرح المحامي كارم نشوان أن قانون العمل الذي يدرج الصحافة ضمن بنوده، يشوبه «خلل كبير»، لأنه يحرم الصحافيين «علاوة بدل المخاطرة، فضلاً عن غياب الحد الأدنى للأجور، ما يجعل الصحافي عرضة للاستغلال». ويرى نشوان أن «ضعف رقابة وزارة العمل على المنشآت يشجع على تفشي ظاهرة استغلال الصحافيين»، بالإشارة إلى أنه لا يعمل في «دائرة التفتيش العمالي» سوى 12 موظفاً، يناط بهم التفتيش الدوري على 30 ألف منشأة عمل خاصة وعامة في القطاع!
يتابع نشوان: «يجبر أصحاب المكاتب الصحافية الموظفين على العمل من دون عقود حتى لا يطالبوا بحقوقهم إذا ما تعرضوا لإصابة العمل، وحتى لا يطالب ذووهم بحقوق أبنائهم إذا قتلوا خلال أداء عملهم»، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مستحقات نهاية الخدمة والتأمين الطبي.
وتنطبق هذه الحال على الصحافي خالد حمد، الذي استشهد أثناء تغطيته مجزرة الشجاعية في حرب 2014 الأخيرة، ولم تستطع عائلته الحصول على أي من حقوقه كونه كان يعمل من دون عقد، فضلاً عن عمله مع شركة غير مرخصة. كما تؤكد العائلة أن المدير العام للشركة جاء بعد أيام من استشهاد ابنها ليطلب الكاميرا الخاصة به.
https://www.youtube.com/watch?v=kbfx3rIrkW0
عادةً، تتوقف إمكانية تعويض الصحافي إذا ما تعرض للإصابة على المستوى المالي للمؤسسة، لكن المؤسسات المحلية إجمالاً تعاني وضعاً سيئاً، كما تشرح «لجنة دعم الصحافيين في فلسطين» (لجنة دولية مرخصة من الأمم المتحدة تعنى بتوفير الحماية للصحافيين في العراق والبحرين وفلسطين)، لذلك تتكفل مؤسسات من الخارج بعلاج الصحافيين. يقول صالح المصري، وهو منسق اللجنة، إن بعض المؤسسات «دعمت مراسليها، والأخرى تلجأ إلى مؤسسات تعنى بالدفاع عن الصحافيين لتوفير العلاج داخل الوطن أو خارجه» والتمويل اللازم لذلك.
وازداد طين العمل الصحافي في غزة بِلة بعدما غيّب الانقسام الفلسطيني حضور جسم الصحافيين الموحد، بسبب إغلاق مقر «نقابة الصحافيين الفلسطينيين» التي تترأسها «فتح»، واستبدل بالأخيرة نقابة جديدة شكلها صحافيو «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، قبل أن يُحل الجسم الصحافي الوليد لاحقاً. وضمن النتائج الإيجابية المحدودة لجولات المصالحة، سُمح بإعادة فتح مقر النقابة الأساسي في غزة وتفعيل دورها، لكنّ عودة عملها بفعالية اصطدمت بأكثر من خمسة عشر تجمعاً نقابياً ومنتدى للصحافيين، أضعفت فعالية حضور النقابة الأم، وفق مسؤولين فيها.
أما الصحافيون، الذين يعملون بنظام «free lans»، فتزداد معاناتهم عند الإصابة برغم الشهرة التي حققوها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. مثلاً، اضطر ناصر رحمة إلى بيع كاميرته الخاصة كي يؤمن تكاليف علاج قدمه التي أصيب بها أثناء تغطيته إحدى المسيرات على الحدود الشرقية. كذلك الأمر بالنسبة إلى محمد عثمان، الذي أصيب في تغطية أحداث «العودة» في شمال القطاع قبل خمس سنوات، حينما أطلق عليه قناص إسرائيلي رصاصة تسببت بإصابته بشلل نصفي.
وبرغم ما كان يتميز به عثمان من حضور، وجد نفسه وحيداً على سرير المرض، قبل أن يسارع زملاؤه إلى مطالبة المؤسسات الصحافية بالمساهمة في تكاليف علاجه. ثم اضطر بعد عامين من العلاج في الخارج للعودة إلى غزة، التي غطّى فيها الحرب الأخيرة من أعلى أحد الأبراج، لكنه عاود الخروج بتكاليف شخصية وببعض المساعدات لاستكمال العلاج المفقود والمكلف.




قائمة بالأجسام النقابية والمنتديات الداعمة للصحافيين في غزة:
1. «بيت الصحافة»، مدعوم من الاتحاد الأوروبي.
2. «نقابة الصحافيين»، ترأسها «فتح».
3. «التجمع الإعلامي الفلسطيني»، تابع لحركة «الجهاد الإسلامي».
4. «منتدى الإعلاميين الفلسطينيين»، قريب من «حماس»
5. «نادي الإعلاميين الشباب»، لحركة «حماس».
6. «التجمع الديموقراطي الفلسطيني»، «الجبهة الديموقراطية».
7. «مركز تطوير الإعلام»، تابع لجامعة بير زيت.
8. «فلسطينيات»، مدعوم من الاتحاد الأوروبي.
9. «صحافيات الجنوب»، دعم محلي.
10. «اتحاد الإذاعات والقنوات الإسلامية»، دعم إيراني.
11. «لجنة دعم الصحافيين»، دعم دولي.
12. «مركز الدوحة لحرية الإعلام»، دعم قطري.
13. «إعلاميون بلا حدود».
14. «نادي الإعلام الاجتماعي».
15. «منتدى الإعلام للاتصال والتنمية»، دعم دولي.