«أنهيت دراستي أخيراً». يعني أنك صرت باحثاً في الفيزياء النووية والنشاط الإشعاعي؟ تسأل «الأخبار». يأتي الرّد من الشاب الثلاثيني، الجالس في غرفته الفوضوية، التي توزعت فوق أثاثها تصميمات رائعة وصور ابتكرها «العالِم»: «لا، لم أصبح عالماً، بل صرت مصمم غرافيك»، يجيب يوسف ميلاد. أنهى ميلاد دراسة الفيزياء النووية والنشاط الإشعاعي في كلية العلوم التابعة لجامعة «عين شمس» في القاهرة. بعد أربع سنوات وجد نفسه مصمماً في مجال الغرافيك. أمّا كيف وصل إلى هذه الحالة، فتلك حكاية تلخص تجربة عشرات آلاف من المفترض أن يكونوا «علماء».

يقول يوسف ميلاد لـ«الأخبار»، إن الجامعات المصرية لا يوجد فيها تخصّصه «النادر»، نتيجة قلة عدد الطلبة الملتحقين به، موضحاً أن «الحكومة أغلقت أبواب التعيينات في المراكز البحثية التي تعتبر وجهة الدارسين الأولى بعد التخرج، الأمر الذي يدفع هؤلاء إلى السفر خارج مصر... هنا أيضاً تواجههم صعوبات كثيرة بسبب الظروف الأمنية التي تحيط بهذه التخصصات».
اتجه ميلاد إلى العمل في تصميم الغرافيك بعدما شاهد أحد أساتذته في الكلية يعاني على مدار سنوات من أجل الحصول على رسالة الماجستير، نتيجة خلافات مع رؤسائه في الكلية الذين يحصل بعضهم على الدكتوراه في دراسات أجريت من قبل ولا تحمل أي جديد. ويستغل هؤلاء، وفق قوله، قلة أعداد الباحثين المعينين في الجامعة، إلى الحد الذي جعل الوجوه الشابة في الكلية تعدّ على أصابع اليدين، فضلاً عن أن بعضهم عُيّن لقرابته بأستاذ في الكلية.
ميلاد ليس الشاب الوحيد الذي تحطمت أحلامه على صخرة البيروقراطية والإجراءات الحكومية، هناك آلاف مثله. محمود أيضاً طالب في كلية العلوم في جامعة القاهرة، يعاني هو الآخر من فقدان المواد الخام التي تستخدم في الأبحاث، فضلاً عن إغلاق المعامل طوال الوقت. يضاف إلى ذلك، ما يعانيه مع زملائه من معاملة غير لائقة بسبب بعض الأساتذة الذين «يستغلون غياب القواعد الصارمة في محاسبة المقصرين للتغيب عن العمل، فلا ينقلون علمهم وخبرتهم إلى الطلبة».

ألفا عالم خارج البلاد يعملون في مجالات نادرة كالنشاطات النووية والذرية

أقبل محمود من إحدى قرى محافظة الجيزة، بعدما نجح في إنهاء المرحلة الثانوية بدرجات ممتازة. اختار دراسة العلوم كي يتسنى له تحقيق طموحاته في أبحاث خاصة بالجيولوجيا وعلم البترول. لكن أحلامه تبدّدت مع الوقت، خصوصاً أنه لاقى صعوبات دراسية جعلته يخرج من ترتيب الأوائل على مستوى الكلية. يشرح في حديثه إلى «الأخبار» أنه يسعى إلى السفر خارج مصر فور انتهائه من الدراسة، محدداً مراكز بحثية في الولايات المتحدة واليابان لتقديم أفكار عدّة لها، وذلك بعدما أخفق في تقديم أفكاره أمام الكلية و«إدارة البحث العلمي» في مصر. ويضيف أنه لاقى استخفافاً واستهتاراً من المسؤولين، مع أن دراسته هي نتاج اطلاع وبحث استمر سنوات، وتحديداً منذ دخوله المرحلة الثانوية واهتمامه بدراسة الجيولوجيا وعلوم التربة.
تشبه حالة محمود ما حدث قبل ذلك مع العالم المصري مصطفى السيد، الذي خرج من مصر منتصف الخمسينيات ليلتحق بجامعة فلوريدا، عقب حصوله على منحة دراسية. وبعد عقود من دراسته هناك، صار السيد أول عالم عربي يحصل على «قلادة العلوم الوطنية الأميركية» من الرئيس السابق جورج بوش. عندئذ تحديداً بدأ الاهتمام المصري بمشاريع السيد في علاج السرطان باستخدام جزئيات الذهب. والسيد الذي كان يحضر إلى مصر بين حين وآخر ويعمل خلف الأضواء، بدأ يحظى بدعم الدولة بعد حصوله على القلادة، فأخذ يجري دراسات مع فريق عمل مصري تتابعه الدولة، لكنه يعترف في لقاءاته الإعلامية القليلة بأن أوضاع البحث العلمي في مصر «ليست جيدة، ولا تشجع على الابتكار».
ووفقاً لإحصائية غير رسمية نشرت عام 2013 عن «الاتحاد العام للمصريين في الخارج»، يتبين أن من بين نحو عشرة ملايين مواطن مصري مقيمين في الخارج هناك 86 ألف عالم، من بينهم نحو ألفي شخص يعملون في مجالات بحثية نادرة مرتبطة بالنشاطات النووية والذرية، التي لا تتوافر لها بيئة عمل مناسبة في بلدهم. وفي ما يتعلق بقطاع البحث العلمي، ليس هناك إحصائية تحدد عدد العلماء، خصوصاً الشباب، لأن القطاع الذي يتبع وزارة التعليم العالي إدارياً، لا يتعامل مع الأشخاص مباشرةً، ولكن مع الأبحاث التي تنشر في الدوريات العلمية أو المراكز التي تخبرهم بأن لديها مصريين عاملين فيها.
وفق وزير مصري سابق للبحث العلمي، فإن عدداً لا بأس به من الشباب الذين تتوافر لهم فرصة العمل في مراكز بحثية مهمة في الخارج، حصلوا على جنسية الدولة المقيمين فيها، وأن هؤلاء ليس لديهم رغبة في العودة قريباً إلى هنا. ويشير هذا الوزير إلى أن محاولات التعاون بين قطاعات البحث العلمي ازدادت ضَعفاً لقلة دعم الدولة لأي أبحاث جديدة، خصوصاً أن الأخيرة تعتبرها «رفاهية» لا مجال لها في خضم الأحداث الراهنة، ولا سيما على الصعيد الأمني.
ويلفت الوزير، أيضاً، إلى أن تكلفة الأبحاث العلمية والتقنيات المتطورة التي ينبغي أن يعمل فيها العلماء، سواء في الجامعات أو المراكز البحثية، كبيرة للغاية، ولا يمكن للدولة بمفردها أن تتحملها، خصوصاً أن مراكز أبحاث عدّة لديها عبء العمالة التي تلتهم المخصصات الماليّة في الأجور والمكافآت، فيما تنتج الوحداث البحثية بقدر ما يتوافر لها من دعم قليل.
في هذا السياق، يقول الباحث في مركز «البحوث الزراعية»، الدكتور طارق فكري، إن «الدعم المالي هو العائق الرئيسي للبحث العلمي». ويشرح لـ«الأخبار» أنه رغم إجراء تجارب عدّة على مشروعات زراعية، يمكن عبرها مضاعفة إنتاج الأراضي الزراعية، هناك «مشكلات مرتبطة بغياب تفاعل قوي في وزارة الزراعة وحلقة الوصل بين المركز والمزارعين في المدن المختلفة». ويشير فكري إلى أنه «رغم ضعف الإمكانات المادية، استطاع الباحثون تحقيق نتائج جيدة»، لكن نتائجهم «لا تلقى الاهتمام الكافي عادة من المسؤولين، ولم تحظ بإشادة من الخارج أو تنل جوائز».
ويوضح فكري، في حديث إلى «الأخبار»، أن سبب ذلك هو «غياب الاهتمام بالبحث العلمي»، كما كشف عن أن «هناك عينات ينتظر الباحثون أشهراً للحصول عليها، بسبب صعوبة توافرها نتيجة نفاد الميزانية المخصصة لشرائها مبكراً، أو ضرورة الحصول عليها من المورّدين وفقاً لقانون المزايدات والمناقصات»، وهو أمر يستغرق وقتاً طويلاً.
من جهة أخرى، قال رئيس إحدى الجامعات الحكومية الكبرى (لم يرد الكشف عن اسمه)، إن «مشكلة البحث العلمي يتحملها الباحثون والدولة معاً، ولا يمكن تحميلها لطرف دون الآخر»، خصوصاً أن هناك آلاف الباحثين الذين يوفدون للتدرب والعمل في الخارج إذا أظهروا تفوقهم في الجامعة. وتابع في حديث إلى «الأخبار»: «للأسف، كثيرون من هؤلاء لا يعودون مرة أخرى إلى مصر، بعدما تكون الدولة قد تكلفت مصاريف تعليمهم... ليفيدوا بها آخرين». أما من يعود منهم، فلا يحاولون نقل خبراتهم إلى زملائهم وتلامذتهم بسبب ضعف الإمكانات في المراكز البحثية للجامعات، وفق المصدر نفسه.
هذه المشكلة جعلت الدولة المصرية تلزم الباحثين الرافضين فكرة العودة إلى الوطن بتسديد الفاتورة التي دفعتها على دراستهم، حتى يستفيد منها آخرون راغبون في مساعدة بلدهم، كما يقول المصدر، مؤكداً أن هناك أزمة مالية حقيقية تعيق القدرة على تحسين الأوضاع البحثية في مختلف الكليات، وكذلك تغيب عنها الأجهزة الحديثة لإجراء أبحاث متطورة، باستثناء مراكز محدودة موجودة في ثلاث جامعات، هي: «القاهرة» و«عين شمس» و«الإسكندرية».