مع تراجع غارات التحالف السعودي وانخفاض مستوى المواجهات في المحافظات اليمنية، يبقى الحصار أشد وطأة على اليمنيين من الحرب نفسها. فخلال عام من الحرب، كان للحصار آثار هائلة على يوميات المواطنين ومعيشتهم، وتجسدت ذروة هذه الآثار بالمهانة التي يتلقاها اليمنيون في مطار بيشة السعودي، لدى سفرهم بغرض العلاج، لدرجة أن معاملة السعوديين لليمنيين في المطار دفعت الكثيرين إلى العدول عن قرار السفر، فيما توفى عدد كبير من المرضى نتيجة لذلك.

اليمنيون اعتادوا الحرب بعد عام وشهر على اندلاعها، لذلك لم يؤدّ وقف إطلاق النار إلى تغيير في طبيعة حركة الناس، خصوصاً في العاصمة صنعاء. إلا أن زيارة واحدة لمرفق خدماتي، يفتح العيون على الضرر الذي يلحقه الحصار بالحياة في اليمن. وينعكس ذلك خصوصاً على الأسواق، سواء لناحية عدم قدرة اليمنيين على شراء ما يحتاجونه بسبب ارتفاع الأسعار أو انعدام بعض السلع الضرورية والأدوية المهمة.

يلاقي اليمنيون تعاملاً مهيناً في مطار بيشة السعودي

إلى جانب الأزمة الشرائية، تبرز مشكلة الازدحام الكبير بعدما تحوّلت العاصمة ملاذاً آمناً لكل الهاربين من المواجهات العسكرية والانفلات الأمني في الجنوب. الزحمة مثلت عبئاً إضافياً على الخدمات، في ظلّ ما تعانيه المرافق العامة والخاصة، ولا سيما القطاع الصحي في ظل الحصار.
يتحدّث المتحدث باسم وزارة الصحة، الدكتور تميم الشامي، عن انعكاس الحصار على قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية لجرحى الحرب أو للمصابين بأمراض مزمة. ويوضح أن 80 من مرضى الكلى توفوا في صنعاء خلال الحرب، نظراً إلى عدم توافر الإمكانات والأدوية لإجراء غسيل لهم. وبحسب الشامي، إن المئات من الوفيات من غير الجرحى توفوا نظراً لعدم توافر الأدوية والمستلزمات الطبية مثل مرضى السرطان والكبد والأمراض المزمنة الأخرى.
بالقرب من مركز السرطان في المستشفى الجمهوري في صنعاء، يتنقّل محمد الحيمي من صيدلية إلى أخرى بحثاً عن حقنة المناعة لوالدته المصابة بسرطان الدم ويفشل في الحصول عليها. معظم الأدوية الخاصة بمرضى السرطان غير متوافرة في الصيدليات، وهناك صعوبة بالغة في الحصول عليها. ويقول الحيمي إن الأدوية كانت تتوافر قبل الحرب بأسعار مرتفعة، أما الآن، وفي حال توافُرها، فالحصول عليها يحتاج إلى دفع ضعفي سعرها.
حول هذا الموضوع، يقول الصيدلي عبد الباسط الفقيه إن أدوية السرطان تحتاج إلى ظروف نقل خاصة، وإن الشركات المستوردة تواجه صعوبة في إتمام صفقات الشراء بسبب القيود المفروضة على البنوك اليمنية والبنك المركزي، وهي نادراً ما تتمكن من إتمام بعض الصفقات. غير أن الشركات باتت تتجنب استيراد أدوية السرطان في الصفقات النادرة نظراً إلى ارتفاع أسعارها وعدم قدرة ذوي المرضى على شرائها.
ويتحدث عبد الباسط عن الحقنة التي يبحث عنها محمد، لافتاً إلى أن سعرها قبل الحرب كان يتجاوز المئة دولار، وما تتمكن الشركات من استيراده يجعلها تبيع الحقنة الواحدة بنحو 250 دولاراً، وهو ما يعجز عنه محمد والكثيرون سواه.
ونتيجة لإقامته الطويلة إلى جانب والدته في مركز السرطان، يقول محمد إنه شهد وفاة ستة من نزلاء المركز لعدم توافر الجرعات الكيماوية التي كانوا يتلقونها في المركز قبيل الحرب والحصار.
من جهة أخرى، يمثل مطار بيشة السعودي نقطة مظلمة جديدة في حياة اليمنيين، نظراً إلى ما يلاقونه من إهانة من قبل مسؤولي المطار السعوديين. البعض احتملها مضطراً بسبب حاجته إلى العلاج في الخارج. أما البعض الآخر، فقد فضّل الموت في اليمن على احتمالها، مثل المواطن أحمد الرحومي الذي توفي بمرض القلب، ويؤكد ابنه سمير أن والده رفض السفر إلى القاهرة بعد ما سمعه عن مطار بيشة ممن خاضوا التجربة قبله.
والأسواق التجارية ليست أفضل حالاً من القطاع الصحي. يتحدث عبد الله النابهي الذي يعمل تاجر جملة عن عجزه عن الدخول في المناقصات العامة، نظراً إلى عدم قدرته هو وكثير من التجار على توفير كل المطلوب، إضافةً إلى أن عملية الاستيراد تتسم بصعوبة بالغة، والدخول فيها بات أشبه بالمغامرة.
وكانت محافظة الحديدة قد شهدت مسيرة شارك فيها الآلاف قبل أسبوع في الحديدة للتنديد بالحصار، بعدما منع التحالف السعودي سفينة محملة بالمازوت الخاص بتشغيل محطة توليد الكهرباء. وتزامن خروج الناس إلى شوارع المحافظة الغربية التي لم تعتد هذا النوع من التحركات، مع بدء موجة الحر التي سبّبت العام الماضي عشرات الوفيات بسبب انقطاع الكهرباء.