برز خلال الأيام الماضية، على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية والغربية، الحديث عن الدور الذي تلعبه منظمة «الدفاع المدني السوري»، أو ما يُعرف بـ«الخوذ البيضاء»، في عمليات «إنقاذ وإسعاف المدنيين وانتشال الجثث في المناطق التي تتعرض للقصف». وبدأت حملات الدعم التي وصفت عناصر المنظمة بـ«الأبطال» و«رموز الأمل في سوريا»، وبلغت حد المطالبة بمنح المنظمة جائزة «نوبل للسلام».

«الخوذ البيضاء» التي ترفع شعار «نحن من الشعب وللشعب»، تؤكد أن المتطوعين فيها يعملون «بحيادية وإنسانية ومن دون تمييز»، وأنهم «لا يدينون بالولاء لأي حزب أو جماعة سياسية». وهذا ما ترويه مجلة «نيوزويك» الأميركية، التي شددت في مقال، على أنّ المنظمة «تمتاز بعملها غير الطائفي والمحايد، وأفرادها غير مسلحين». لكنّ نظرة من ناحية مختلفة على عشرات الصور ومقاطع الفيديو، تشير إلى عكس ذلك، وتُظهر أن «الخوذ البيضاء» يعملون مباشرةً مع تنظيمات مسلحة بينها «جبهة النصرة»، ويشاركون في الحملة الدعائية ضد الحكومة السورية عبر المشاركة في فبركة صور وأخبار بهدف التأثير بالرأي العام.
يصف الصحافي ريك ستيرلنغ في مقال بعنوان «المتلاعبون الأكثر فعالية»، «الخوذ البيضاء» بأنها في الواقع «فريق الإنقاذ لجبهة النصرة». ويضيف: «يُقال إنهم غير منحازين إلى أي طرف، ولكنهم جميعاً من المناطق الخاضعة لسيطرة المسلحين في إدلب وحلب».
في أحد مقاطع الفيديو، يظهر الحاج أبو أحمد، متطوع في «الدفاع المدني السوري»، وهو يقول إن «جثث الشبيحة»، في إشارة إلى جنود الجيش السوري، «ستُرمى في المزابل». ثم يقول: «حلّت علينا بشائر النصر في جسر الشغور على أيدي المجاهدين قوّاهم الله»، مضيفاً: «عقبال آخر معاقل النظام في اللاذقية ودمشق».
وفي مقطع آخر، يظهر مجموعة من أفراد «الخوذ البيضاء» وهم يحتفلون مع مسلحين من «جبهة النصرة»، فضلاً عن صور لمتطوعين في المنظمة يرفعون علامة النصر على جثث عسكريين في الجيش السوري قتلتهم «النصرة»، وعلى سبيل المثال، انتشرت صور لمتطوع يدعى معاوية حسن آغا من إدلب، وهو يقاتل مع «النصرة» مرتدياً سترة «الخوذ البيضاء».
تاريخ مؤسس المنظمة ومواقف مديرها السياسية، بالإضافة إلى مصادر تمويلها وداعميها، تفتح الباب للشك بحياديتها. «الخوذ البيضاء» تأسست في آذار/ مارس 2013 في إسطنبول، على يد البريطاني جميس لو ميجرر، وهو «خبير أمني» وضابط سابق في الاستخبارات العسكرية.
ووفق «نيوزويك»، تأسست «الخوذ البيضاء» «كعملية شعبية من أجل تجنيد متطوعين للعمل في مجال الدفاع المدني. وللهيئة ميزانية تبلغ 30 مليون دولار سنوياً، ينفق معظمها على المعدات ودفع منح للمتطوعين».
يشير تقرير لـ«الوكالة الأميركية للتنمية» (USAID)، المنشور في تموز/ يوليو 2015، إلى أنها قدمت أكثر من 18 مليون دولار، لفرق «الدفاع المدني السوري». كذلك، نشرت «لندن تلغراف» مقالاً عن «الدور الإنساني» لـ«الخوذ البيضاء»، قالت فيه إن الممول الأساسي للمنظمة هو وزارة الخارجية في المملكة المتحدة، لكونها «تبرعت بمعدات بقيمة 3.5 ملايين يورو لفرق الدفاع المدني». كذلك أعلنت الحكومة البريطانية أنها ستتبرع بـ 10 ملايين يورو لـ«زيادة التنسيق بين المجلس الوطني السوري المعارض والدفاع المدني السوري». ويزيد عدد متطوعي «الخوذ البيضاء» على 2000 شخص، ويحصل كل منهم على أجر يعادل ١٥٠ دولاراً شهرياً.
المدير العام لـ«الدفاع المدني السوري»، رائد الصالح، معارض سوري من جسر الشغور، أسهم في تأسيس الدفاع المدني في إدلب بعد نزوحه إلى تركيا، يقول إن متطوعي المنظمة بالرغم من وجودهم في مناطق يسيطر عليها المسلحون إلّا أنهم «لا يفرقون بين الضحايا من هذا الجانب أو سواه»، إذ إنهم «أخرجوا من بين الركام مقاتلين من حزب الله وإيرانيين وجنود الجيش السوري»، رغم أنه يهاجم باستمرار الحكومة السورية والجيش السوري وحتى «الموالين» في تصريحاته ومقابلاته وحتى على مواقع التواصل الاجتماعي.
ما تعكسه صفحة «الخوذ البيضاء» على «تويتر» وصفحات العاملين والمتطوعين فيها، لا تتناسب مع مبدأ الحيادية الذي تتبناه، إذ لا نرى أي صور لضحايا القذائف التي تقصف عشوائياً على المدنيين في حلب ودمشق من قبل «الثوار»، بل كل الصور هي لضحايا «البراميل المتفجرة» و«قصف النظام وروسيا».
ولعل ما شكّل الصدمة الأكبر لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي هو مقطع فيديو يظهر عناصر «الدفاع المدني» عند قيام «النصرة» بإعدام مدني في مدينة حريتان، شمال حلب. ومُسح هذا الفيديو من معظم القنوات مباشرةً بعد صدوره، إلّا أن موقع «لايفليك» تمكّن من حفظ نسخة منه تحت تعليق: «كما كان متوقعاً، حذف يوتيوب الفيديو الذي يجرّم الخوذ البيضاء، إذ نراهم جنباً إلى جنب مع تنظيم القاعدة».




المؤسس البريطاني
أمضى جميس لو مجيرر، بحسب سيرته الذاتية، «20 عاماً يعمل عضواً في بعثات الأمم المتحدة، ومستشاراً للشركات الخاصة ووزارة الخارجية البريطانية وضابطاً في الجيش البريطاني. تخللت معظم خبرته القيام بنشاطات دعم الاستقرار في قطاع الأمن وبرامج ترسيخ الديموقراطية».
تقول الصحافية فانيسا بيلي، في تقرير بعنوان «الخوذ البيضاء: الحرب عن طريق الخداع» إن لو مجيرر كان طالباً في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية، وعمل في مكتب الممثل السامي للأمم المتحدة في البوسنة قبل أن يصبح منسق الاستخبارات لحلف شمال الأطلسي في كوسوفو.
وترك الجيش البريطاني في عام 2000 وعمل نائباً لرئيس الوحدة الاستشارية حول «الأمن والعدالة»، والممثل الخاص للهيئة السياسة الأمنية للأمين العام في بعثة الأمم المتحدة في كوسوفو. ومن ثم انتقل إلى القدس، ثم بغداد، ومن بعدها إلى دبي حيث عمل مع مجموعة «أوليف غروب»، ولاحقاً إلى لبنان خلال حرب 2006.
وفي 2008 عام انضم إلى «غود هاربر إنترناشونال»، وهي مجموعة متخصصة بـ«الأمن» في دبي. وأسس لو مجيرر منظمة «الخوذ البيضاء» عام 2013، ومنظمة «ماي داي» للإنقاذ عام 2014.