لا طاولة تتّسعُ لملفّ حلب بعد. بل إنّ المدينة المنكوبةُ كانت على امتداد الحرب أشبه بطاولة كبرى تُعقد جلساتٌ فوق ركامها ودماء أهلها ويُبحث عن صفقات تُمرّر من تحتها.

أربع سنوات ينقصها بضعة أشهر مضت على «الصفقة» الأولى التي يُقال إنّها أُبرمت بين الأتراك ورئيس فرع الأمن السياسي لحلب في ذلك الوقت (محمد مفلح) وحملت مسلّحي الريف إلى شوارعها. لم ينتهِ عام 2012 إلا والمدينة مقسومةٌ إلى قسمَين: شرقيّ تسيطر عليه المجموعات المسلحة، وغربي تحت سيطرة الدولة السورية. معارك كثيرةٌ نشبت بين الطرفين، مجموعات مسلحة من مختلف المشارب والأيديولوجيات «توارثت» السيطرة على القسم الشرقي، تحولاتٌ هائلةٌ لحقت بخريطة السيطرة في الأرياف، ولم يتبدّل شيءٌ جذريّ في توازع السيطرة على المدينة. توقفت تحرّكات المدنيين بين القسمين مرّات كثيرة وعادَت في مرّات أخرى، وقع قسمُها الغربيّ تحت حصارات متتالية، حوّمت أشباح الجوع والعطش ونقص الدواء ومختلف أنواع النكبات فوقها، احترقت الأسواق التاريخيّة، دُمّرت عشرات المباني الأثريّة، ولم يتبدّل شيءٌ جذريّ في توازع السيطرة على المدينة.
اختبرَ شطراها مختلف أنواع القصف بمختلف صنوف الأسلحة، امّحت شوارع سكنيّة بأكملها، نهبت مصانعُها، تناوبت العصابات على اختطاف أبنائها طمعاً بأموال الفِدى، نزح مئاتُ الآلاف واستشهد عشراتُ الآلاف من المدنيّين، ولم يتبدّل شيءٌ جذريّ في توازع السيطرة على المدينة! أمام كلّ ما تقدّم لا يبدو تسليم أبناء حلب بأنّ خطوطَ السيطرة داخل مدينتهم «خاضعةٌ لخطوط حمراء دوليّة» نابعاً من فراغ. بل إنّ الشواهد التي تدعم هذه النظرية كثيرة. فترات «التنفّس» التي عاشها أبناء حلب منذ بدء الحرب أقل من أصابع اليد الواحدة، من بينها واحدةٌ رسميّةٌ مثّلتها «الهدنة» التي باتت أخيراً مجرّد نكتة دمويّة. وثمّة إشارات استفهامٍ كثيرة تفرضُ نفسها إزاء التصعيد الجنونيّ الذي تشهده المدينة منذ أسبوع، بدءاً بتوقيته (الذي تلا انتخابات مجلس الشعب بأيّام ولم يتزامن معها كما كان متوقّعاً) وليس انتهاءً بتجاهل «نظام التهدئة» الذي دخل حيّز التطبيق اليوم لكل ما يدور في حلب. الاتفاق الذي أُعلن أمس اقتصر على دمشق والغوطة وريف اللاذقية، فيما أكّدت الخارجيّة الأميركيّة أنّ «الحدّ من العنف في حلب» هو محلّ بحث مع موسكو. وبينما يستمرّ مسلسل سقوط المدنيّين و«التباكي الأممي» على دمائهم، تحملُ الأنباء الواردةُ من كواليس المجموعات المسلّحة مُستجدّاتٍ ربّما شكّلت مفتاحاً لـ«صفقة» دوليّة وشيكة على مسرح حلب. وتفيد معلوماتٌ جديدةٌ بأنّ عدداً من المجموعات المسلّحة الناشطة في حلب قد تلقّى «إخطاراتٍ» بوجوب الاستعداد لتنفيذ «إعادة انتشار» على غير محورٍ من محاور المدينة وريفها. المعلومات التي حصلت عليها «الأخبار» عبر ثلاثة مصادر يرتبط كلّ منها بمجموعة مختلفة أكّدت أنّ العنوان العريض لخطّة «إعادة الانتشار» هو «فصلُ مناطق سيطرة جبهة النصرة عن مناطق سيطرة المجموعات الأخرى». وقال مصدر مرتبط بـ«حركة نور الدّين زنكي» إنّ «الحركة تبلّغت قبل أيامٍ، عبر بعض الجهات الداعمة، ضرورة الاستعداد لتوزيع جديد لقوّاتها يجري التّوافق عليه قريباً». المصدر أوضحَ أنّ «المشروع ما زال في طور التشاور والدراسة، وقد طُلب من عدد من قادة الكتائب في الحركة تقديم تقارير مفصّلة عن مناطق الانتشار الحاليّة لكتائبهم، ومدى إمكانيّة تحقيق تبادل سلسٍ مع مقاتلي النصرة في عدد من المناطق».


فترات «التنفّس» التي
عاشها أبناء حلب أقل من
أصابع اليد الواحدة

وأكّد المصدر لـ«الأخبار» أنّ «إمكانات الحركة تؤهّلها للانتشار في مزيد من المناطق، لكن هناك مخاوفٌ من اضطرارها مقابل ذلك إلى التخلّي عن مناطق بديلةٌ تعتبرها مهمّة لها». المصدر أشار على وجه الخصوص إلى مناطق ريف حلب الغربيّة، التي تنظر إليها «الزنكي» على أنّها «محيطها الحيوي وبيئتها الحاضنة»، فيما تعتبرها «جبهة النصرة» مناطق «انتشار استراتيجيّة بالغة الحساسيّة لأنّها تُمثّل بوابة إلى ريف إدلب الشرقي».
قائد إحدى الكتائب التابعة لـ«حركة أحرار الشام الإسلاميّة» أكّد لـ«الأخبار» أنّ «هذه الأشياء واردة الحدوث دائماً، وهي لا تعني بالضرورة وجود مؤامرة ضدّ هذا الفصيل أو ذاك كما يحلو للبعض تصويرها». المصدر أكّد أنّ «هناك استعدادات في صفوف الحركة لإجراءات ميدانيّة معيّنة»، وتحفّظ عن الإدلاء بأي تفاصيل إضافيّة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنّ «هذه الإجراءات ستعودُ بالخير على ثوّار حلب».
بدوره، قال مصدرٌ إعلاميّ مرتبطٌ بـ«الجبهة الشاميّة» إنّ «بعض المعلومات المتداولة على نطاق ضيّق تتحدّثُ عن اجتماعات وشيكة لبحث خطط انتشار جديدة، من دون إيضاحات كافية حول أسباب أو أهداف هذه الخطط». ونفى مصدران مرتبطان بـ«النصرة» (أحدهما قائد كتيبة محليّة) علمهما بوجود أي خطط من هذا النّوع. وقال أحدهما لـ«الأخبار» إنّ «الشيء الوحيد المؤكّد أنّ مجاهدي النصرة ماضون نحو فتح حلب مهما كلّفهم ذلك». المصدر أشار إلى وجود «محاولات دائمة لدقّ أسافين بين مجاهدي النصرة وإخوتهم في بعض المجموعات الصادقة، وقد اعتدنا حلَّ هذا النوع من العقبات بالحوار المستمر مع أولئك الصادقين».
في الوقت ذاته، لم يستبعد المصدر «أن يحاول بعض المتآمرين إلهاءنا عن ذلك، ولنا مع عملاء الأميركان جولات سابقة انتهت بإعلاء كلمة الحق وتقويض مخطّطاتهم». وفي انتظار جلاء الصورة، يجدر التذكير بأنّ محافظة حلب كانت مسرحاً لعمليّات تبادل «نقاط رباط» بين المجموعات غيرَ مرّة، منها ما نُفّذ بصمت، ومنها ما حظي بتغطية إعلاميّة، وكان أبرزها إخلاء «النصرة» لمساحات واسعة في الريف الشمالي في آب الماضي ( راجع «الأخبار»، العدد 2658). وإذا صحّت هذه المعلومات، فمن المرجّح تجيير «الصفقة» لمصلحة إعادة ترميم «الهدنة» المقوّضة عبر إلصاق كل «الخروقات» الحاصلة في حلب بـ«النصرة» (المستثناة أصلاً من الاتفاق المعطّل)، مع ما قد يستتبعُه ذلك من قصر مهمة الحشود التي استنفرها الجيش السوري على شن عمليات ضدّ «النصرة» وحلفائها من «الجهاديين» وعلى رأسهم «الحزب الإسلامي التركستاني». وبدا لافتاً في هذا السّياق حرص الخارجية الروسية على توجيه أصابع الاتهام بخصوص استهداف قنصليّتها في حلب إلى «النصرة»، مع الإشارة إلى «جماعات متحالفة معها»، من دون تسمية تلك الجماعات.
وليس من المعلوم بعد ما هو الثمن المطلوب في مقابل «رفع الغطاء عن النصرة وعزلها» في حال حدوثه. ويحضرُ في هذا السياق تخمينان أحدهما تخلّي الروس عن مطلب إدراج «جيش الإسلام» و«حركة أحرار الشام الإسلامية» على لائحة المجموعات الإرهابيّة، فيما يتمحور الآخر حول المساعي التركيّة المستمرّة لإعادة إنتاج «المنطقة الآمنة» في صيغة تحوّلها من حلم إلى أمر وارد.