خسر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، قاعدة جماهيرية لا يستهان بها بعد دخوله في صدام مباشر مع «نقابة الصحافيين»، ليستمر صدامه مع النقابات المهنية، حاسماً من رصيده الشعبي. فبعد «المحامين» و«الأطباء»، دخل الصحافيون في صدام مع الدولة، علماً بأن هذه النقابات التي تضم أكثر من مليوني شخص كانت المحرك الأساسي لثورة 25 يناير.

المعركة الجديدة سبّبها وزير الداخلية، مجدي عبد الغفار، بعدما اقتحم الأمن «نقابة الصحافيين» للمرة الأولى منذ تأسيس النقابة قبل 75 عاماً، وذلك للقبض على اثنين من الصحافيين الشباب وجهت إليهما اتهامات على خلفية مواقفهما الرافضة لاتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية.
وسبب خسارة السيسي، الذي يحتاج الصحافيين خلال المرحلة المقبلة ، هو تمسكه بالوزير عبد الغفار في منصبه، مقابل مطالبة الإعلاميين بإقالته، بل موافقة الرئيس الضمنية على قرار اقتحام النقابة. وهو قرار دفع آلاف الصحافيين أمس إلى الاحتشاد بكثافة أمام نقابتهم للمرة الأولى منذ عشرين عاماً، وحمّلوا السيسي المسؤولية عن ذلك، برغم أنه حظي بدعم صحافي واسع، ولكنه الآن ينتظر إجراءات تصعيدية متوقعة في اجتماع الثلاثاء المقبل للنقابة.
ولا يعرف هل يقصد السيسي فعل ذلك الآن في ظل انخفاض شعبيته في الشارع، أو أن هناك من يقحمه في مشكلات إضافية، خاصة أن مؤسسة الرئاسة صامتة عن «الحرب» بين «الداخلية» والصحافيين، الذين يشتكون من وجود مكثف للشرطة، وهو ما وضع السيسي للمرة الأولى أمام غضبة صحافية كبيرة يتوقع أن يكون ثمنها باهظاً على النظام. وحتى وسائل الإعلام القومية، التي تموّلها الدولة، تضامن رؤساء تحريرها مع مجلس النقابة، وكذلك الإعلاميون المؤيدون للرئيس لم يستطيعوا أن يتخذوا موقفاً يخالف النقابة، وسط إجماع صحافي على ضرورة المطالبة بإقالة وزير الداخلية.
بطريقة أو بأخرى، ورّط عبد الغفار، السيسي، معه في أزمة سياسية مفتعلة. ويبدو أن الوزير حاول ردّ الصفعة التي تلقاها من على سلالم النقابة بتظاهر فئات الشعب المختلفة يوم 15 نيسان الماضي للاعتراض على اتفاقية ترسيم الحدود، بتأكيد «قوة الداخلية» وقدرتها على السيطرة على الأوضاع حتى داخل النقابة التي يمنع القانون دخولها لقوة الشرطة إلا بإذن من النيابة العامة وموافقة النقيب شخصياً.
لكن وزير الداخلية لا يبدو قادراً على فرض سيطرته على وزارته في ظل وجود صدام بينه وبين «جهاز الأمن الوطني»، الذي يرغب في إقالته، كما يعجز عن احتواء الرأي العام المتصاعد والرافض لسياسات «الداخلية» التي تعيد إنتاج أسلوب داخلية مبارك ووزيرها حبيب العادلي. والمؤكد أن رفض عبد الغفار الاعتذار بجانب موقف الرئاسة الصامت جعل السيسي يخسر مؤيديه قبل معارضيه، فمن دافعوا عن مواقفه في مختلف القضايا عبر الإعلام لم يستطيعوا الوقوف إلى جواره في هذه الأزمة. أيضاً، ينسى «الجنرال» أن تحركات النقابات المهنية واشتغالها بالسياسة خلال السنوات الأخيرة في نظام حسني مبارك أشعلا وقود 25 يناير.
وصحيح أن النقابات في عهد مبارك احتاجت ست سنوات حتى تمكنت من إشعال الثورة، ولكن المتغيرات التكنولوجيا (التواصل الاجتماعي) وتحرك الأحداث بسرعة يؤكدان أن السنوات الست قد تكون شهوراً أو ربما أسابيع، في ظل أزمات مسبقة مع نقابات مهنية أخرى. نقابة الأطباء، مثلاً، تعرض أطباؤها للاعتداء على أيدي أمناء شرطة لم يُحاكَموا أو قُدِّمَت الأدلة التي تدينهم إلى جهات التحقيق. والمحامون، أيضاً، يتعرضون لاعتداءات من رجال الشرطة في المحاكم بين حين وآخر.
بذلك يكون السيسي بعد هذه الأزمات قد خسر على الأقل نصف مؤيديه في النقابات التي تشكل الرأي العام وتضم نحو مليوني مواطن لهم حق الانتخاب. وهو لا شك، يدرك جيداً أهمية الحراك السياسي للنقابات، وعبّر عن ذلك بوضوح الشهر الماضي خلال لقائه مع عدد من ممثلي المجتمع، عندما طالب ممثلي النقابات بممارسة «دورها الاجتماعي والابتعاد عن السياسة»، لكنه طلب لم يجد أذناً صاغية.
إدراك أهمية النقابات يقابله عجز واضح في آلية التعامل معها. فالرئاسة التي تستعين بمسؤولين من خلفية عسكرية وشرطية فحسب وتثق بهم، تعجز عن إيجاد أفكار تتناسب مع الحراك النقابي، خاصة في الأزمات، لأن التزام الرئاسة الصمت في هذه اللحظات يحمّل السيسي مسؤولية ما يحدث، حتى لو كان رافضاً أو متحفظاً، في أحسن الأحوال، عن الطريقة التي تعالج بها. فهل يحاول السيسي استعادة مساعدة الإعلام الذي وقف إلى جواره بعد عزل «جماعة الإخوان المسلمون» وخلال وصوله إلى السلطة، أم يظل متمكساً بدعم الوزير وخوض المعركة الخاسرة حتى النهاية؟