فيما تستمر المفاوضات اليمنية في العاصمة الكويتية للأسبوع الثاني على التوالي، تواكب السعودية الحوار عن قرب من خلال حضور لجنتها الخاصة المكلفة الملف اليمني. الوفد الذي يمثل حكومة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي يُطلع اللجنة على كل التفاصيل التي تتواصل معه باستمرار. وعملياً، من يفاوض وفد صنعاء في الكويت هو اللجنة السعودية لا الوفد اليمني.

وتشي التطورات التي تشهدها المحادثات بأن الرياض تقف حالياً أمام مسارين متوازيين: الأول، هو الاستمرار بالعدوان الذي جرّبته على مدى 13 شهراً ووصلت به إلى الذروة مع استخدامها المفرط للقوة من دون أن تحقق أي إنجاز عسكري سواء على جبهة الحدود أو على الجبهات الداخلية. وأظهرت الحرب جيشها في صور مذلّة ومخزية، خصوصاً على الحدود، ألحقت الضرر بسمعته أمام العالم وبهيبته الداخلية أيضاً.

اللجنة السعودية هي التي تفاوض وفد صنعاء في الواقع

كذلك، إن استمرار السعودية بالعدوان من دون آفاق عسكرية أو سياسية ومن دون أي أمل بالوصول إلى النتائج والأهداف المرسومة يعني الاستمرار بالنزف العسكري والمالي، بالتزامن مع انكشاف حقيقة السعودية من ضعف ووهن وعدم القدرة على الحسم في بلد تعتبره تاريخياً حديقتها الخلفية. يترافق كل ذلك مع ازدياد التنديد الدولي بجرائم السعودية التي ارتكبتها طائراتها بحق المدنيين. وعلى هذه الخلفية، أدرجت منظمات إنسانية دولية اسم السعودية في لوائحها لكونها «تُسهم في حصار الشعب اليمني وتجويعه».
أما المسار الثاني الذي تقف الرياض أمامه، فهو إيجاد حلول سياسية ضمن خيارات قليلة، من بينها:
أولاً، التوصل إلى صيغة سياسية يجري التوافق عليها بين صنعاء والرياض، تنهي العدوان وتحوّل الصراع المباشر بين اليمن والسعودية إلى احتراب داخلي، تعمد خلاله إلى مدّ القوى اليمنية الملتحقة بها بالمال والسلاح وتحاول هي أو حلفاؤها في مجلس التعاون الخليجي أن يلعبوا دور الوسيط ظاهرياً.
غير أن مخاطر هذا الطرح تكمن في أنه يلزم السعودية بوقف الحرب الجوية ورفع الحصار البحري والجوي. ومعلوم أن القوى اليمنية المحسوبة على السعودية لا تستطيع الصمود أمام الجيش و«اللجان الشعبية» من دون التغطية الجوية والبحرية السعودية والخليجية.
هذا الواقع يعني أن السعودية، وهو الخيار الثاني، ستضطر مع حلفائها إلى الموافقة على صيغة حل سياسي وفقاً للنتائج العسكرية والميدانية التي تصبّ في مصلحة الجيش و«اللجان الشعبية» في الوقت الراهن.
وفي هذه الحال، لن ترضى صنعاء بأقل مما جرى التوصل إليه في الحوار الوطني برعاية الأمم المتحدة في صنعاء قبل بدء العدوان. وسيكون من الصعب الموافقة على الشراكة في حكومة وطنية مع القوى التي شاركت أو وافقت على العدوان. وسيكون على القوى المحسوبة على السعودية البحث عن شخصيات يدها غير ملوثة بدماء اليمنيين. ولكن في المقابل، لا يبدو أن السعودي لديه الجرأة لمثل هذا الحل، ولا سيما أن صنعاء لن ترضى بسحب «الجيش» و«اللجان الشعبية» من المدن أو بتسليم السلاح الثقيل من دون الاتفاق على حكومة وطنية تكون ضامنة لهذه العملية.
أما الخيار الثالث، فهو الدخول في مرحلة من المراوغة، أي حالة من اللاحرب واللاسلم، ومأسسة الهدنة بإشراف الأمم المتحدة أو أطراف محايدة أخرى يوافق عليها الطرفان مع تعزيز الاهتمام بالجانب الإنساني وإعطاء حرية أكبر لحركة تنقل اليمنيين من الخارج وإليه والسماح بمرور البضائع التي تلبي حاجة الشعب. ومن المرجح أن يعمد مؤتمر الحوار المنعقد حالياً في الكويت إلى إيجاد صيغ من وحي هذا الخيار مع تغليفه بإطار خارجي تزييني، لعدم إحراج الدولة المضيفة الكويت ومن ثم إظهارها بمظهر الوسيط النزيه القادر على الاستمرار بتأدية الدور نفسه في المستقبل. ويبدو أن هذا الخيار هو حاجة للطرفين كل حسب حساباته، غير أن الطرف اليمني لا يستطيع الاستمرار به لأكثر من بضعة أشهر.