بغداد | بدأت بعض الأطراف العراقية أخيراً مساعيها لسحب قرار «تحرير المدن» من تنظيم «داعش»، من الضغط الأميركي، الأمر الذي ترافق مع الجدل بشأن أولوية أن تكون الحرب على واحد من المعقلين الرئيسيين للتنظيم، الفلوجة (غرباً) أو الموصل (شمالاً). وكان كل ذلك مرتبطاً باقتناع داخل العراق، ولدى مقرّبين من صنّاع القرار، مفاده أن واشنطن «تريد النهاية التي تختارها لداعش».

قيادة «الحشد الشعبي» كانت تدفع، بدورها، باتجاه إقناع الحكومة بتقديم ملف الفلوجة على الموصل، وهو ما كان مخالفاً لإرادة واشنطن. إلا أن هذه المساعي ظهرت، أخيراً، في إعلان زعيم «عصائب أهل الحق» (أبرز فصائل «الحشد الشعبي»)، قيس الخزعلي، عن اقتناع لدى بغداد للتوجه إلى الفلوجة لتحريرها من «داعش». وينطلق إصرار أطراف «الحشد» على تحرير الفلوجة، ومحيطها، من أكثر من سبب، أهمها قرب هذا القضاء (التابع لمحافظة الأنبار) من بغداد، ما يعني احتفاظ «داعش» بمعقل يستطيع من خلاله تنفيذ هجمات إرهابية على المدن المجاورة، وهو ما أثبتته تقارير أمنية أُعدّت عقب تفجيرات شهدتها العاصمة ومدن وسط العراق.

التهديدات الأمنية في بغداد دفعت بالمسؤولين إلى القرار

الخزعلي قال، في ندوة حوارية عقدت في مدينة كربلاء، إنه «بهذا القرار المهم جداً، ستحصل ملحمة أخرى من ملاحم هذا البلد، بتحرير الفلوجة والمناطق التي تحيط بها». لكنه أشار، أيضاً، إلى أنه «في هذه المرحلة الأخيرة، ينبغي أن نكون دقيقين جداً في حساب الأولويات: هل هي أن نذهب إلى الموصل أم أن نستكمل تحرير ما تبقى من الأنبار؟»، ليجيب بأن «التوجهات كانت بالذهاب إلى الموصل، لكننا تكلّمنا بأنه ليس من المنطقي أن نذهب بعيداً، بمسافة مئات الكيلومترات، وترك هذه الخاصرة القريبة جداً من بغداد، بيد الإرهاب».
النقاش في ما يتعلق بمصير الحرب العراقية على «داعش»، دائماً ما يتطرّق إلى الضغوط الأميركية. وفي هذا المجال، برز خلال الفترة الماضية ترويج لدفع أميركي باتجاه أن تشهد المرحلة المقبلة تحرير الموصل. لكن أطرافاً قريبة من بغداد، وأخرى قيادية في «الحشد الشعبي»، عارضت هذا التوجه، وغالباً ما وضعت شكوكاً بشأن النيات الأميركية. وقد أتى ذلك نتيجة مساعي واشنطن الدائمة لمنع «الحشد الشعبي» من المشاركة في تحرير الأراضي، لكون غالبية أطرافه تنتمي إلى فصائل «المقاومة» التي ناهضت، في السابق، وجودها العسكري في العراق.
أما بشأن إعلان الخزعلي عن اقتناع الحكومة بتقديم ملف الفلوجة على الموصل، فقد جاء بعد «الأحداث السياسية الأخيرة التي دفعت رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى عقد جملة تفاهمات مع قيادة الحشد، تضمنت تحرير بقية مناطق حدود بغداد، وأهمها الفلوجة»، بحسب ما كشف مصدر مطلع لـ«الأخبار». وكان ذلك في أعقاب تقارير أمنية رصدت تحركات لعناصر إرهابيين في مناطق غرب بغداد، بالتزامن مع دخول متظاهرين إلى مبنى البرلمان، السبت الماضي. المصدر أوضح أن التهديدات الأمنية، والاعتقاد بأن المنطقة الحكومية مهدّدة في ظل تفاقم التظاهرات، دفعت بالمسؤولين عن القرار الأمني، ومنهم رئيس الحكومة، إلى الاستماع إلى دعوات «الحشد الشعبي»، وذلك انطلاقاً من مخاوف من استغلال «داعش» للأوضاع السياسية المضطربة في العاصمة، واستخدام معاقله القريبة منها لشن هجمات عليها، لا سيما أن الفلوجة تبعد عن بغداد 60 كيلومتراً فقط.
وجاء الحديث عن مشروع «تحرير الفلوجة» بالتزامن مع نجاح القوات الأمنية في تحرير مناطق عدّة تقع إلى الجنوب منها. فقد أعلنت، أمس، «قيادة عمليات الأنبار» تحرير طريق بطول 12 كيلومتراً، يربط نواحي في جنوب القضاء الذي يسيطر عليه «داعش»، منذ شتاء عام 2014.
كذلك، شرعت القوات الأمنية والعشائر المساندة، منذ ثلاثة أيام، في عمليات عسكرية واسعة على قرى تابعة للفلوجة، قالت عنها أطراف محلية إنها عمليات تمهيدية لعملية كبرى. وفي هذا السياق، صرّح المتحدث باسم مجلس عشائر الأنبار غان العيثاوي بأن «قوات من شرطة الأنبار والحشد الشعبي والجيش والعشائر شاركت في الحملة»، مضيفاً أنها «عمليات تمهيدية استعداداً لعملية واسعة لتحرير الفلوجة بالكامل». وأضاف لـ«الأخبار» أن قرار البدء، رسمياً، بتحرير الفلوجة متروك للقائد العام للقوات المسلّحة حيدر العبادي. لكنه توقع أن «يصدر هذا الأمر، قريباً، بعد استكمال الاستعدادات وتطويع أبناء عشائر الفلوجة، للمشاركة في عمليات التحرير».
العيثاوي أوضح، أيضاً، أن «الحشد الشعبي، الذي يسيطر على المحاور الأربعة المؤدية إلى الفلوجة، هو القادر على تحريرها برفقة أبناء العشائر»، مؤكداً في الوقت ذاته أن «الحشد» ليس لديه مشكلة مع أي قوة تستطيع أن تحرّر القضاء.