رسالة من خلف القضبان في ذكرى اعتقالي الرابع عشر إليكم جميعا اهدي هذه الكلمات: أربعة عشر عاما مرت وما زلت أنادي الحياة والأحلام، أنادي الذكريات والأيام من عصر الغياب الطويل هذا، أحاول أن أكون معكم، لكي أشعر ولو قليلا بطعم الحياة العادية التي تمارسونها يوميا وهذا ما قد أنستني إياه سنوات الأسر والظلم والقهر، أردت لو قليلا في رسالتي هذه ومن خلالكم أن أتعافى من وجع النسيان والانتهاء.

أردت اليوم أن أتسلق قمم المأساة العارمة بصمتي الدائم لأصرخ وأنادي الأمل ليعلمني أن أحيا معكم من جديد، ليعلمني كيف اخط رسائلي السنوية هذه من حبر اشتياقي وألمي إلى الذين رحلوا وخطفهم الموت عني، إلى الذين اعتادوا أن يرسلوا إلي الأمل من خارج زنازين الاحتلال، نعم إلى روح أمي الحبيبة الغالية التي سلبها الموت بعيدا عني ليخون كل العهود التي كانت بيننا، ليحرمني حضورها ونبرات صوتها التي كانت تضخ إلي المحبة والأمل، فماذا أبقيت لي أيها الموت سوى مرارة القلب سوى جرح الحياة والضياع، لتبكي السماء من عيوني فراقا، ليكن الحداد ابديا، لتنكّس راياتي، ليكن قلبي قبرا لأمي الحبيبة الذي اسقيه من دمع شوقي في كل لحظة.
يا أيتها المسافات الطويلة لماذا تبتعدين عني أكثر فأكثر، ألا يكفيني علو الأسوار الشاهقة من حولي! ألا يكفيني القيود والأغلال التي ترنو بأصواتها كلحن يعزف على إيقاع النكبات والجراح المتتالية في كل حين! آلا يكفيني جوعنا وآهات المناضلين من حولنا الذين يتلصصون خبرا من بين شقوق جدران الزنازين على حريتهم الضائعة منذ سنين طويلة!
وأنت يا أبي العزيز وانتم يا إخوتي وأخواتي الذين حفرت أسماءكم وأسماءكن بوجع وبصبر على جدران أمنياتي، التي ابحث فيها عن لقاء بيني بينكم، عن لقائكم الغالي على قلبي، الذي من خلاله أرسل إليكم محبتي وأمنياتي بلقائكم خارج قضبان الاحتلال هذه، لكي نكون معا، عن لقائكم الغالي الذي يشعرني بمعنى الحياة والانتصار، والذي يلهمني القوة والصبر من جديد، لقائكم الذي انتظره دائما، والذي يذكرني بانه مازال لنا تحت هذه السماء حق وقضية، ولتكن عودة أرضنا المقدسة هي عهدنا وعهد شهدائنا وجميع أسرانا ومعنى وجودنا وصبرنا على هذه الأرض
أتذكركم في كل مكان بين أزقّة المخيم، وفي وقفاتنا الوفية عند شواهد الشهداء ونحن نستودعهم بمواكب الاستشهاد .... وأنت يا نادر في كل المواقف وفي كل المراحل أستذكرك، استذكر تلك الليلة التي لم نجد فيها سوى خزان كبير لننام فيه، وكاد يغمى علينا لولا ذلك الرجل الذي أنقذ حياتنا، وكأن غسان كنفاني كان يتحدث عنا نحن في روايته "رجال في الشمس ". أستذكر أمثالك الذين كتبوا ميلاد الوطن وبلاط الشهداء. إليك أخط يا من تقرئين لغة القلوب، فأنت الوحيدة التي تعلم ما في قلبي من حنين، أخاف من تلك السنين أن تمزق الوفاء والإخلاص والمحبة التي منحتني إياها وأنا وحيد في هذه الأرض القاحلة، أخاف ألا أكون وفيا أمام محبتك، أخاف آلا أكون لكِ كما الحال الآن، فانا لست ملكا لأحد كأملاك الغائبين بالمنفى أنا، أستريح من عناء المقاتلين. إليكم جميعا وإليك يا وطني الغالي اهدي هذه الكلمات، فانتم ما تبقّى لي في هذه الحياة، أحبكم وقلبي معكم وأتمنى اللقاء بكم.

*الأسير عاصم الكعبي من مخيم بلاطة / نابلس يقضي حكماً بالسجن الفعلي مدة 18 عاماً بتهمة مقاومة الاحتلال والانتماء الى كتائب الشهيد ابو علي مصطفى، الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في ذكرى مرور 14 عاماً على اعتقاله، يبعث برسالة من خلف القضبان... وهو الآن يقبع في سجن النقب الصحرواي / أنصار 2.