لندن | أعرف أن ما قاله كانن صحيحاً، وأن إهمال التشوه اللَّحظي للاطار الرقيق المصنوع من المغنيسيوم يُمكنُ أن يقضي على الهدف الرئيسي باختبار الاستجابة اللحظية للقوى الصغيرة. لكنني لم أكفّ عن محاولة تجنيبه هذه الفكرة. ليس بإقناعه بعدم دقتها، إنما بمحاولة دفعه لتجاهلها. لا أعرف السبب وراء ذلك، ربما أنني لا أحبُّ أن أستجيب فورياً لأي شيء، وأفضلُ أن يأخذني وقتٌ أطول حتى أعتاد على فكرةٍ ما، وحتى أقبل أن أتعامل معها برحابةٍ وقبول.

والآن أفعلُ ذات الشيء، أتركُ الوقتَ يُرتبُ الأشياء كما ينبغي لها، أو كما يحلو له. على الرغم من أن الفيزيائيين يقولون بأن الأشياء تتجه نحو الفوضى مع مرور الوقت، إلا أن هذا الأمر لا ينطبقُ على الأشياء المحصورة، كمشاعرنا مثلاً، وككل تلك الأشياءِ التي نخبئها بين وفير جلودنا وبين حميم قلوبنا.
الوقت، هذا الرفيقُ الدائم والعدوُ اللدود، لا زال بإمكانه أن يقضي بأشياء تخالفُ المنطق الذي اعتدنا عليه. ولا زال بإمكانهِ أن لا يُصغي إلينا، ويدفعنا في كثيرٍ من الأحيانِ الى أن نُصغي إليه يَهدِرُ أمامنا مُسرعاً، مُتفلتاً من بين أيدينا، يتركُنا أمامه حيارى بين النظر إليه وراءنا جامداً أبكم وبين السعي وراءه مسرعاً أصم.
لا أعرفُ كيف انقضت خمسةٌ وعشرون عاماً، قضيتُ ستةً منها في هذه البلاد، أُحاوِل أن أُجيب عن أسئلة بسيطةٍ أُخفِقُ مع مُعظمها فأقول لنفسي أنتَ في عشرينيات عمرك، لا عليكَ فالوقتُ لا زال رحباً والمدينة التي كان يُغطي سماءها الضبابُ ودخانُ الفحم الحجري المنبعث من المصانع والبيوت، صار لها اليوم رائحةٌ كرائحة المطر، ولم يُخيِّم عليها ذنبُ كلِّ البلاد التي قطَّعت أوصالَها. ولم يقضِ أحدٌ عمره يحاول الإجابةَ عن أسئلةٍ لا معنى لها، ولا طائل منها. وإنكَ الآن تفعلُ ما يُحاولُ الكثيرون فعله، أن لا تكون هناك، في البلاد التي لم يعُد أحدٌ فيها يكترث بالأسئلةِ أو حتى بالإجابات، أو ربما هذا ما صار يبدو لي، فينقطعُ سعيي كلُه عند فكرةٍ واحدة هي: أن أُطمئن نفسي أنني لم أكبر فجأة، وأن سنيني لم تمضِ كلُّها على حالٍ واحدة، فأضمنُ بذلك تغير الحال الذي جعلني والكثيرين غيري رهن هذا الانتظار. فيتنحى خاطري نحو الصور التي كُنتُ أراها تكبرُ حولي، وصرت اليومَ أنساها شيئاً فشيئاً، ونحو الوجوه التي سعيتُ حثيثاً أن أحفظ ملامحها حتى صارت تتفلتُ تقاسيمُها من بينِ يدي.
نحو أبي الذي تتحرك أصابُعه بخفةٍ تُجيدُ الرسم على الهواء، والنحت على الخشب، حتى أتساءل طويلاً لماذا لم يمنحني خفة يديه وحُسن ذائقته، وإن كنتُ سأعودُ إليهِ أجادلُه حتى يضيق بي، أم أن الوقت ضاق بنا جميعاً، ولم يعُد يتسعُ لتلك الأحاديث التي كانت تترنحُ بين الصِبا والشباب.
وحين تتعبُ قدماي، أفعلُ ما يفعلُه كلُ الغرباء والمُتعبين والجائعين، أُفكِر في أمي، كيف تركتُها صغيراً ولم تكن قد رأت لحيتي تكتملُ بعد، وكيف سأعودُ إليها بعد كل هذه السنين رجلاً صارت تظهرُ عليه علامات التعب. هل سيكون باستطاعتها أن تفعل ما كانت تفعلُه دائماً، أن تسبر دون أدنى جُهدٍ غَور نفسي وما يشغل خاطري. وهل سيكون بإمكاني أن أجلس جوارها، أو أن أطلب منها أن تُجالسني وأنا أتناول فطوري، أو أن أصرخُ حين أغضبُ دون أن أخشى بأن تُخاصمني لقسوة انفعالاتي.
هل كبُرنا حتى لم يعُد لنا من يكترثُ لأحزاننا، أو يعذرنا حين نغضب، هل كبرنا بالقدر الكافي لنصير وحدنا، نحملُ وزر مشاعرنا وحدنا، ربما..
لكن الأسى لا يكمنُ في ذلك، إنما في أن هذا الفراق الذي اقترب من عامه الرابع عندي، ومن أعوامٍ أكثر من أعمار آخرين، كُلُه لم يكن ثمناً لغايةٍ نبيلة، إنما هو يدُ أولئك الجُبناء الذين لم يستطيعوا أن ينظروا في عيوننا حتى لا تنكشف لهم هزائمهم. فاختاروا بكل خِسةٍ أن يبتزوا أشياءنا الحميمة، ويغرسوا أصابعهم في جِراحنا الغائرة.
ليس هذا بأي طريقةٍ استدعاءً لألمٍ شخصي، بل هو استدعاءٌ لحال الكثيرين الذين وجدوا أنفسهم فجأةً بلا ركيزةٍ تستندُ إليها قلوبهم إن تعبت، لا لقسوة المعركة والعدو، إنما لبرد هذا البُعد، وخِسة ذلك العدو.
طال الانتظار، وطال الحديثُ عن الأسباب والحلول، حتى هرمت جميعُها، حتى أولئك الذين تُوغُلُ أيديهم في صناعة مأساتنا هرموا، وجفّت حلوقهم من فرط ما كرت وفرت ألسنتهم. ونحنُ هنا وهناك لا زلنا ننتظر، كالريشة في مهب الريح.