اللاذقية | بجانب أحد القبور، تغني امرأة موالاً مبلولاً بالدمع، عن ابن حمل البندقية وذهب إلى الحرب ولم يعد. أم حاتم، التي لا تحسن الغناء، تدخل المقبرة حاملة زجاجة مياه وبضعة عروق ريحان. تزيح بيديها أوراق الأشجار التي حملتها الريح واستقرت على رخام القبور المتلاصقة لأبنائها الأربعة المجاورة لقبر والدهم. ترش عليها المياه وتنذر في خيالها بضع قطرات لابنها الأكبر الذي لا قبر له. تجالسهم قليلاً وتخبرهم عن سوسن عمرها الذي تساقط كاملاً برحيلهم. لكنها لا تلبث أن تقف وتمشي بقامة مرفوعة، فهي أم الأبطال الخمسة التي لا يجوز أن تحني قامتها.
باع جوّاله ليقدر ينزل على المدينة ويتطوّع

في بيت ريفي صغير في قرية «الحارة» في ريف اللاذقية تعيش أم الشهداء: علي، كامل، حازم، علاء، وفيصل محمد صالح. البيت الذي لا أبواب فيه تحفظ خصوصية غرفه الثلاث، ولا بلاط لأرضيته، يخبر كم مرّت أيام قاسية على ساكنيه، قبل أن يصبح خالياً من أحلامهم بحياة أقل قسوة. تقول أم حاتم: «اختاروا طريقهم، ورادوا يكونوا مع المقاتلين واستشهدوا الواحد ورا التاني. فراقهم كسر ضهري، لكن صار اسمي أم الشهداء وهاد عزاء قلبي».
في خزانة خشبية قديمة تحتفظ أم حاتم بما تبقى من أبنائها الخمسة. ملابسهم، جزادينهم الجلدية، شهادات ميلادهم، سبحاتهم الملونة، والكثير من الصور. تشير إلى صورة لابنها البكر، أول شهداء العائلة، الملازم شَرَف علي، الذي استشهد في لبنان عام 1982 وكان عمره 35 عاماً، وتقول: «كنت بتمنى يكون إلو قبر متل أخوته، لكنهم ما لقوا جثمانه، وضل حرقة بقلبي». في الصورة أيضاً أربعة شبّان يرتدون الزي العسكري ويحملون بنادقهم مبتسمين، تتابع: «هدون بقية ولادي الشهداء، لما بلشت الحرب على بلادنا راحوا يقاتلوا وما رجع حدا منهم».
وبصوت يعتصره الأسى، تتحدث عن أحلام أبنائها البسيطة، التي بدأت بحلم اللعب بطائرة وقطار كما بقية الصبية، وكبرت لتصبح حلماً ببناء بيت في القرية وتكوين عائلة، وانتهت إلى القتال للحفاظ على الأرض. تقول أم حاتم: «وقت كانوا صغار ما كانت قدرتنا نجبلهم ألعاب، فكانوا يعملوا ألعابهم بإيديهم. علب سردين فاضية يعملوها قطار، وورقة بيضا تصير طيارة، ولما كبروا ما قدروا يكملوا دراستهم، لأن مرت أوقات ما كان معنا حق دفتر، لكن تعلموا أشياء أهم من العلم، تعلموا يكون عندهم كرامة وعزة نفس. ووقت صارت الحرب كانوا رجال». وتشرح بشغف عن تفاصيل كل واحد من أبنائها. الشهيد الملازم شرف، كامل (32 عاماً)، استشهد عام 2012 ليكون أول شهداء البيت بعد الحرب. تضيف: «كان صوته حلو ويحب يغني مع رفاقه وأوقات يحلم يصير مطرب، ولما تزوج وصار عنده ولد صار يحلم ما يعيش ابنه بالفقر متل ما عاش هو». وبغصّة تشير إلى الشهيد ابن السبعة عشر عاماً، الملازم شرف، حازم، الذي استشهد بعد مرور 6 أشهر على استشهاد أخيه. كان يستعد لامتحانات الشهادة الإعدادية حين غادر البيت من دون أن يخبر أحداً، ليكتشفوا لاحقاً أنه التحق بصفوف «الدفاع الوطني». «قبل ما يترك البيت زار كل أهالي الضيعة وجاب هدية مسبحة لأخوه الكبير حاتم يلي رباه هو وأخوته بعد موت أبوهم، وبعدين اتصل فينا من رقم غريب قلنا أنو باع جواله ليقدر ينزل عالمدينة ويتطوع، وهو صار مع المقاتلين على الجبهة في ريف اللاذقية. قلّي دعيلي يا أمي، وبعد شهرين جابولي ياه ملفوف بالعلم»، تشرح. وبعد مرور17 يوماً على استشهاد، علي، وصل الأم نبأ استشهاد أخيه علاء (23 عاماً)، المتطوع في «الحرس الجمهوري» أثناء الاشتباكات في داريا في ريف دمشق. الأخير كان يحلم ببناء غرفة صغيرة ليتزوج الفتاة التي يحبّ، والتي انتظرته ولم يعد. استشهاد الإخوة الثلاثة دفع قائد كتيبة «الحرس الجمهوري» التي يقاتل معها شقيقهم فيصل (36 عاماً)، أن يعرض عليه الانتقال إلى ريف اللاذقية، ليبقى قريباً من أمه المفجوعة. لكن فيصل لم يقبل الانفصال عن كتيبته واستشهد في شباط الماضي، في خناصر في ريف حلب. «ما رضي يجي ويترك رفاقه وضلّ معهم حتى استشهد»، تختم أمه.
ما زالت أم الشهداء تنتظر أخبار الميدان، فما زال لديها أحمد، آخر العنقود، يقاتل هناك. هي لا تملك سوى أن تنظر كل يوم إلى السماء، حيث الله، وترجوه أن يعود إليها ابنها مشياً على قدميه.