الجزائر | صدر القضاء الجزائري غداً حكمه في قضية إبطال صفقة بيع أكبر مجمع إعلامي في البلاد، الذي اضطر أصحابه إلى بيعه لأحد رجال الأعمال المعروفين بعلاقاتهم المتشنجة مع السلطات، وذلك في قضية أخذت أبعاداً سياسية وإعلامية واسعة بسبب ارتباطها بهدف الهيمنة على أكثر وسائل الإعلام تأثيراً "ومن باب الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المنتظرة في 2017 و2019"، وفق بعض المتابعين.

ولم تتوقف عبارات التضامن من السياسيين والحقوقيين والفاعلين في منظمات المجتمع المدني مع مجمع "الخبر" في أزمته الأخيرة، وذلك بعدما رفعت وزارة الاتصال الجزائرية دعوى قضائية لإبطال صفقة بيع هذا المجمع لرجل الأعمال المعروف يسعد ربراب (بقيمة قدرت بنحو 40 مليون يورو)، الأمر الذي صنّفه القيمون على المجمع تدخلا غير مقبول من هيئة حكومية في صفقة ذات طابع تجاري محض، واعتبر المسؤولون عنه أن تدخل الوزارة جاء لأغراض سياسية.
ويعدّ مجمع "الخبر" الإعلامي الذي يضم أكبر جريدة ناطقة بالعربية، إلى جانب قناة و4 مطابع، من بين أكثر وسائل الإعلام تأثيرا في الجزائر، وقد عرف بخطه المستقل عن السلطة وهامش حريته الواسع في تناول أخبار الرئاسة والحكومة والقضايا الحساسة في البلاد. وكانت جريدة "الخبر" من بين المنابر الإعلامية القليلة جدا في الجزائر التي تناولت موضوع مرض الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وغيابه عن الحملة الانتخابية الأخيرة، وخاضت في العلاقة المتشنجة التي تربطه بمؤسسة الجيش، وتحديدا بالمخابرات وقائدها المحال إلى التقاعد لاحقاً، الفريق محمد مدين (الجنرال توفيق).

رفعت السطات دعوى
لإبطال صفقة البيع المقدرة
بنحو 40 مليون يورو

لذلك، مثّل استحواذ رجل الأعمال، يسعد ربراب، على المجمع مفاجأة للسلطات التي لم توافق على الصفقة لأسباب قانونية في الظاهر، لكن عدة قراءات وتحاليل اعتبرت ذلك مجرد غطاء لمخاوف سياسية حقيقية من تحرر "الخبر" من ضائقته المالية واستمراره بالتالي في الخط الحاد تجاه السلطة في ظل ما يملكه المجمع من تأثير على الرأي العام الوطني وحتى الدولي بخصوص ما يجري في الجزائر، وتشكيله إحدى الأوراق المهمة في تحديد نتائج الاستحقاقات السياسية المنتظرة، وخاصة الانتخابات التشريعية في 2017، ورئاسيات 2019 المنتظر أن تفرز رئيسا آخر بعد 20 سنة (مفترضة) من حكم الرئيس بوتفليقة.
وما زاد في قلق السلطات الجزائرية، أن رجل الأعمال يسعد ربراب، وهو من الأثرى عربياً بحسب مجلة "فوربس"، تربطه حاليا علاقة سيئة مع الحكومة إذ غالبا ما يوجه لوزرائها انتقادات لاذعة ويتهمهم بوضع عراقيل أمام استثماراته في الجزائر دون مبرر. ومؤخرا اتهم الحكومة أيضاً بالتضييق على صفقة شرائه لـ"الخبر" لأن السلطة "ترفض حرية التعبير، وتمارس التضييق على الصحافة".

استهجان كبير لدى موظفي الجريدة

ويلقى تصرف وزارة الاتصال استهجانا كبيرا من العمال والصحافيين في جريدة "الخبر" الذين عبّروا عن استيائهم البالغ من اللجوء إلى القضاء في صفقة تجارية عادية في نظر القانون، وأبدوا مخاوف من أن يصدر حكم سياسي على الجريدة بالغلق واستعمال القضاء كذريعة لذلك.
وأوضح حميد غمراسة، وهو أحد أقدم كتاب جريدة "الخبر"، في تصريح لـ"الأخبار"، أن لدى الجريدة معلومات تشير إلى أن الحكومة تريد غلق الجريدة بسبب خطها التحريري المستقل وانتقاداتها لسياسات السلطة، مشيراً إلى أن "الوزير حميد قرين عرف عنه تصرفاته المعادية ضد الجريدة منذ توليه الوزارة".
وأضاف غمراسة أن عملية التنازل على جزء من أسهم المجمع لمصلحة رجل الأعمال، يسعد ربراب، "كانت آخر طوق نجاة لإنقاذ المجمع الذي كان يعاني متاعب مالية بسبب تضييق السلطات الجزائرية على حصته في الإشهار العمومي والخاص، لذلك نشعر بأن ما يجري هو عملية اغتيال مبرمجة للجريدة".
وتنوعت معاني الشعارات التي علقها صحافيو "الخبر" على مقر جريدتهم، بين الإصرار على استكمال مسيرة الجريدة واستهجان قرار السلطات الذهاب للقضاء لمنع إنقاذ المجمع. واستحضرت تلك الشعارات تضحيات صحافيي الجريدة، وعلى رأسهم عمر أورتيلان (أول رئيس تحرير لها)، الذي اغتالته أيدي الإرهاب سنة 1995.
وينتظر أن ينظم الصحافيون والمتعاطفون مع الجريدة تجمعا احتجاجيا غدا أمام المحكمة، للتعبير عن رفضهم المطلق لأي محاولة لغلق الجريدة. كما لوحظ تدفق سياسيين وحقوقيين إلى مقر الجريدة، أبرزهم السكرتير الأول لـ"جبهة القوى الاشتراكية"، كريم طابو، ورئيس "الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان"، نور الدين بن يسعد.
غير أن وزير الاتصال، حميد قرين، نفى كل التهم الموجهة إليه، مشيراً الى أن القضية قانونية فقط لأن الصفقة جرت، وفقا له، بمخالفة المادة 17 و25 من القانون العضوي للإعلام، والتي تشير إحداها إلى أن انتقال ملكية أي جريدة إلى شخص آخر، توجب اعتمادا جديدا تمنحه الوزارة، إلى جانب أنه لا يجوز لأي شخص طبيعي أو معنوي امتلاك جريدتين، بينما ربراب يملك جريدة "ليبرتي" إلى جانب شرائه "الخبر".

إبقاء القضية في إطارها القانوني

تلقى صحافيو "الخبر" الدعم من "المبادرة الوطنية من أجل كرامة الصحافي"، التي أكدت في بيان لها، متابعتها ببالغ الاهتمام قضية المجمع، والتي باتت تشغل بصورة عميقة مجموع الصحافيين وكامل عمال قطاع الصحافة والإعلام في الجزائر.
وألحت "المبادرة" المعنية برصد انشغالات الصحافيين، على إبقاء القضية في إطارها القانوني البحت بعيدا عن أي معالجات من شأنها التضييق على حرية الرأي والتعبير، أو المساس بمناصب عمل الصحافيين وعمال المؤسسة.
واعتبرت "مبادرة كرامة الصحافي" أن "جريدة الخبر" تعد كيانا إعلاميا وطنيا، وأنّ "أي مساس بوجوده يعدّ ضربا لمكاسب التعددية الإعلامية، وتنكرا لتضحيات رعيل شهداء المهنة الذين وهبوا حياتهم فداء للوطن وإعلاء رايته".
وعلى الصعيد الدولي، تفاعلت عدة هيئات تعنى بحرية الصحافة مع قضية "الخبر"، من بينها "مراسلون بلا حدود" و"الاتحاد الدولي للصحافة" و"شبكة الديموقراطيين العرب".