تونس | تتخذ «الجامعة الشعبية ــ محمد علي الحامي» شعار مقاربة مختلفة لمناهج التعليم وإرساء فضاء عمومي للقاء والتحاور. ويقول الفنان المسرحي أيوب الجوادي، أحد أبناء حي سيدي حسين، إن فكرة هذه الجامعة ليست وليدة الثورة: «لقد راودتنا من سنوات، كفنانين يأملون في التغيير»، لكنها لم تتحقق إلا اليوم، بفضل تضافر جهود جمعيتين هما اتحاد حاملي الشهادات العاطلين عن العمل وجمعية 1864 التي ينشط فيها أيوب. وقد اتخذت هذه الجمعية تاريخ سنة 1864 رمزاً لمشروعها المجتمعي والثقافي المناهض للتهميش، وهو تاريخ اندلاع ثورة علي بن غذاهم في الوسط الغربي التونسي ضد نظام محمد الصادق باي، على خلفية مضاعفة ضريبة الدولة وتنامي النفوذ الأجنبي في البلاد (17 سنة قبل الحماية الفرنسية على تونس): «هي ثورة كادت أن تنجح، يقول أيوب، لا لشيء إلا لأن قادتها ليسوا كمن نراهم اليوم من مسؤولين سياسيين يتطلعون إلى مشاكل الشعب من عليائهم. علي بن غذاهم ورفاقه كانوا جنباً إلى جنب مع المظلومين، وذلك هو المنطق الأفقي الذي تسعى جمعيتنا إلى إرسائه من خلال مشروع الجامعة الشعبية».

فتحت الجامعة أبوابها في حي سيدي حسين الشعبي والمنسي، رغم أنه لا يكاد يبعد 10 دقائق عن وسط العاصمة. هنا، لا دور ثقافة ولا نوادي، بل بعض المقاهي للذكور حصراً وقاعة ألعاب. يقول أيوب ساخراً إن المشروع الاجتماعي الوحيد الذي نجح في حيّه هو «المدارس القرآنية والجمعيات السلفية» التي اكتسحت فضاءً شاغراً ومهمشاً، فكان الرهان الأكبر تسجيل حضورهم فيه، ما بعث نوعاً من الريبة عندما أعلن مع بعض رفاقه إنشاء جامعة شعبية لا تخفي جذورها اليسارية. لكن سرعان ما غلب على السكان الفضول وتوجه أبناء سيدي حسين والأحياء المجاورة للتسجيل في الدروس والورشات التي تقترحها الجامعة، ليبلغ عددهم اليوم نحو 600 شخص، يراوح عمرهم بين 3 سنوات و70 سنة، الأمر الذي أثار دهشة أيوب الجوادي وزملائه: «لم نتصور أن يقابل المشروع بهذا الشغف. ففضلاً عن المتطوعين من جامعيين وفنانين الذين جاؤوا لإحياء الدروس والورشات، حصلنا على دعم مادي وكتب وكراسي ومعدات قيمة كالآلات الموسيقية مثلاً. ورغم ما يروَّج عن انعدام الأمن في الأحياء الشعبية، فإننا لا نحتاج هنا لأي حراسة، فأبناء الحي أشد غيرة على جامعتهم من مؤسسيها، والشباب العاطلون من العمل يأتون قبلنا صباح الأحد لحضور العروض السينمائية».

عمل النظام السابق على خرق منظومة التعليم العمومي المجاني

«جامعتهم؟»، نعم، فمبدأ «الجامعة الشعبية ــ محمد علي الحامي» هو التخلي عن جميع أشكال التنظيم العمودي الرائجة في المؤسسات التربوية والجامعية، ولا سيما من خلال منهج تعليمي مبني على الأفقية وعلى مبدأ تكافؤ الفرص. فالورشات مفتوحة للجميع، على اختلاف أعمارهم ومستواهم الدراسي، وكذلك ستكون الدروس التي ستبدأ في شهر أيار، والتي سترتكز في فترة أولى على العلوم الإنسانية. وهذا التعطش للتعلم ليس استثناءً في بلاد عمل فيها النظام السابق على خرق منظومة التعليم العمومي المجاني، والتي كانت من أبرز مكاسب تونس غداة الاستقلال، وعلى إضعاف المستوى الدراسي، ولا سيما في الجامعات العمومية وفي مجال الآداب والعلوم الإنسانية على وجه أخص، لفائدة جامعات خاصة فتحت أبوابها لتستقطب من لديه ما يكفي من الموارد المادية ليضمن مستقبل أبنائه. «إننا نقوم بمساءلة منظومة تربوية وبيداغوجية لم تُبنَ على مبدأ التشارك وتشجيع المتلقي على التفكير، بل فقط على الحفظ والإعادة، لا بهدف التعلم، بل بهدف الحصول على شهادة»، يقول أيوب. ففي اختصاصه المسرحي مثلاً، يشتغل هذا الفنان على تقنية «المسرح المنتدى» (théâtre forum)، وهي شكل من أشكال «مسرح المضطهد» (théâtre de l’opprimé) المبنية على مبدأ الارتجال حول وضعيات اجتماعية تجسد حالة قمع، ما يجعل الممثل ــ المواطن صاحب النص والإخراج المسرحي.
لكن ما الذي جعل جامعة شعبية محورها الإنسانيات والفنون تحمل اسم نقابي تونسي؟ هو أيضاً مبدأ تكافؤ الفرص وحق المهمشين في التعليم. فمحمد علي الحامي (1890-1928) فضلاً عن كونه مؤسس أول تنظيم نقابي عربي وأفريقي (جامعة عموم العملة التونسية، 1924) كان عصامي التكوين في شبابه قبل أن يتسنى له الالتحاق بالتعليم الرسمي. إذ ولد في الجنوب التونسي (الحامة) في وسط فقير وأجبر على الانقطاع عن المدرسة بعد وفاة والدته للنزوح إلى العاصمة بحثاً عن الشغل. وبين الأسواق وعمله في منزل قنصل نمسويّ، تعلم محمد علي الحامي الفرنسية والألمانية، وكان سريع الحفظ والتلقي. ثم تابع الدروس الليلية في جامعة الزيتونة قبل أن يلتحق بجامعة برلين بعد الحرب العالمية الأولى، حيث حصل على شهادة دكتوراه في الاقتصاد سنة 1924. وهكذا بات اسم الجامعة الشعبية التونسية الأولى تذكيراً بأن للجميع فرصة وأملاً في التعلم والنجاح، مهما كان الانتماء الطبقي والاجتماعي.
طموح مؤسسي الجامعة الشعبية يجعلهم يفكرون في تطوير المشروع وطلب منح وزارية تمكنهم من توسيع التجربة، شرط أن لا تُوظَّف سياسياً من قبل أي مؤسسة رسمية أو تيار ما: «هي ليست فقط جامعة، بل فضاء للتبادل والنقاش مفتوح للجميع، وهو ما تفتقر إليه حتى الأحياء البرجوازية في العاصمة. هنا الاختلاط، هنا اكتشاف السينما والفنون، هنا نقول للوافدين إن من حقهم مساءلة كل شيء، لأن حقهم الأول هو حق التفكير».