صنعاء | تصاعدت في الأيام الأخيرة حملة تهجير أبناء الشمال التي أطلقتها السلطات المحلية والأمنية الموالية للرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي والمسنودة من الإمارات. الحملة التي ترمي إلى «تطهير» عدن على أساس مناطقي مع طرد كل المواطنين الشماليين منها، أثارت موجة استياء عارمة في اليمن، وأثارت تساؤلات حول الغاية منها، لا سيما في ظلّ التطورات الاخيرة في الجنوب مع وصول القوات الأميركية، ما يوحي بنيّة عزله تماماً.

وشهدت عدن أعمالاً عنصرية في الأيام الماضية تهجّر على إثرها مئات العمّال، بعدما كانت المدينة منذ خمسينيات القرن الماضي الوجهة الأولى لعشرات آلاف الأيدي العاملة الشمالية إضافةً إلى المستثمرين من مختلف المحافظات اليمنية، وخصوصاً تعز المجاورة.
ورحّلت اللجنة الأمنية في عدن 842 عاملاً شمالياً، منذ مطلع الأسبوع الجاري، معظمهم من أبناء تعز. وأكدت إحصائية أعدتها «لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين من المحافظات الجنوبية والشرقية» ارتفاع إجمالي المهجرين من محافظات عدن وأبين ولحج منذ بدء العدوان على اليمن إلى ستة آلاف مهجر من العمال وصغار المستثمرين من قبل جماعات تدّعي الانتماء إلى الحراك الجنوبي والسلطات الأمنية الموالية لـ«التحالف».
السلطات الامنية والمحلية المعيّنة من قبل هادي والموالية للإمارات بررت حملة التهجير بعدم امتلاك المهجرين وثائق ثبوتية، إلا أن العمال نفوا تلك المزاعم أثناء وصولهم إلى منطقة طور الباحة الواقعة بين محافظتي لحج وتعز. وشهر هؤلاء بطاقات الهوية خاصتهم، ما دفع تلك السلطات إلى تغيير التهمة وجعلها «التخابر مع جماعة أنصار الله والحرس الجمهوري»، إضافة إلى «تزوير بطاقات باسم المقاومة الجنوبية».

ستة آلاف مهجّر من الجنوب منذ بدء الحرب

حملات التهجير القسري بدأت مطلع آذار 2015 مع سيطرة المجموعات المسلحة الموالية لهادي بمشاركة «القاعدة» وميليشيات مسلحة أخرى على معسكر الأمن المركزي في عدن وقصر المعاشيق ومنازل المسؤولين ورجال أعمال من أصول شمالية. وتصاعدت تلك الممارسات من طرد الموظفين في الأجهزة الحكومية في عدن إلى إطلاق حملات ضد صغار المستثمرين والعمال وسكان المدينة.
تلك الأعمال توقفت لفترة عقب سيطرة الجيش و«اللجان الشعبية» على عدن، لكنها عادت بوتيرة أعنف من ذي قبل في شهر آب، بعدما وضعت قوات التحالف السعودي يدها على المحافظة.
في حينه، تعرض الآلاف من العمال الشماليين للعنف من قبل الميليشيات الموالية لهادي والتنظيمات المتطرفة في عدد من مديريات عدن. وبلغت تلك الانتهاكات حد الاعدام العلني في الشوارع على مرأى ومسمع من الناس. وجرت الإعدامات «على الهوية» بتهمة الانتماء إلى «أنصار الله» أو التخابر معها، كما تعرضت المئات من المحال التجارية والخدماتية التي يملكها شماليون للاقتحام النهب واعتقال العمال فيها، بتهمة التعاون مع «أنصار الله» وتخزين أسلحة. كذلك، تعرضت عشرات المنازل التي يملكها أو يسكنها شماليون للاقتحام من قبل ميليشيات مجهولة. ووصلت تلك الممارسات إلى حدّ تهديد السكان الشماليين في عدن بالموت في حال البقاء في المدينة. في ظل هذه الأجواء، اضطرت المئات من الأسر الشمالية التي تقطن عدن منذ عقود إلى الرحيل، خشية تعرضها لأعمال انتقامية. وساهمت تلك الممارسات في تراجع النشاط التجاري بين المحافظات الشمالية والجنوبية، كذلك توقف الآلاف من المشاريع الاستثمارية التابعة لمستثمرين من محافظات شمالية.
من جهته، تبرّأ الحراك الجنوبي بشقّه السلمي من تلك العناصر في أكثر من بيان، واعتبرها تسيء للقضية الجنوبية والجنوبيين.
وكانت السلطات الامنية الموالية للإمارات بصورة خاصة قد أقدمت في تشرين الأول على تنفيذ حملة اعتقالات حصدت 400 عامل شمالي في عدد من مديريات عدن تحت ذريعة عدم امتلاكهم لأوراق ثبوتية أيضاً. واستهدفت تلك الحملات في حينها العشرات من المجندين الشماليين الموالين لحكومة هادي.
وفي أول رد فعل رسمي، أدانت وزارة حقوق الإنسان أعمال الترحيل للمواطنين من محافظتي عدن ولحج، مؤكدةً أن تلك الاعمال تندرج في إطار جرائم التطهير المناطقي، وهي انتهاك سافر للدستور وخرق لمبادئ المواطنة. ووصفت في بيان ما جرى بالعمل الاستفزازي الذي بات يشكل تهديداً فعلياً لوحدة النسيج الوطني، وأحد أبرز الاختراقات الموجهة ضد الوحدة الاجتماعية والسياسية لأبناء الشعب اليمني.
وأدانت حركة «أنصار الله» وحزب «المؤتمر الشعبي العام» تلك الممارسات «التي تعكس بجلاء النوايا السيئة والمبيتة لأطراف معروفة بالعودة بالوطن اليمني إلى عهود الصراعات».