خلافاً لما كانت عليه الحال في الأيام الأولى لـ«اتفاق وقف الأعمال القتاليّة»، يُمكن القول إنّ معظم الجبهات السورية تنتظر دورها على سلّم «الاستعار الشامل» الذي لا يُتوقّع له أن يتأخر عن عربة شهر حزيران القادم. المفارقة الأبرز التي يمكن الوقوف عليها عبر عرض خريطة المعارك المُنتظرة، أنّ جبهات محافظة إدلب (الواقعة تحت سيطرة «جيش الفتح») قد انتقلَت إلى مرتبة متأخّرة في السلّم بعد أن كانت المعارك على أعتابها عشيّة «الهُدنة». وعلى العكس من ذلك، باتَ معلوماً أن بوصلة «المعارك الكبرى» تؤشّر في الدرجة الأولى إلى الشمال من جديد، ونحو حلب تحديداً. في الوقت ذاته، ثمّة مُعطيات كثيرة تشي بأنّ جبهة الغوطة باتت مرشّحةً لتدخل انعطافة جديدة في طريقة تعامل الجيش السوري وحلفائه معها. المعارك الأخيرة التي اندلعت في القطاع الجنوبي للغوطة الشرقية حافظت حتى الآن على تكتيك شبيه بتكتيك «القضم» الذي انتهجه الجيش في مرّات كثيرة سابقة. وتعكس نتائج المعارك حتى الآن تقدّماً تدريجيّاً للجيش في بلدة دير العصافير، على وقع تفاقم الخلافات بين «جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن» (ومن وراء الأخير «جيش الفسطاط»، الذي تُعَدّ «حركة أحرار الشام الإسلاميّة» أبرز مكوّناته). لكنّ المعلومات المتوافرة عبر مصادر عدّة توحي بأنّ ما تشهده دير العصافير «ليس سوى مقدّمة لهجوم كاسحٍ يُرجّح أن يكون وشيكاً» يشنّه الجيش نحو مناطق عدّة، بدءاً ببلدات بالا وبزينة وزبدين ونولة وحرستا القنطرة، وبأهداف تتجاوز «قضم» نقاط محدودة. وتشهد معسكرات الجيش وحلفائه استعدادات مكثّفةً تتجاوز ما يتطلّبه خوض معارك على نطاق ضيّق، سواء في ما يتعلّق بعديد القوات المُستنفَرة أو ما يتّصل بطريقة حشد وتحريك العتاد والعديد.
لا يقتصر التعقيد «الحلبي»

على تداخل الميدان، بل يتعدّاه إلى تشابك الخطوط السياسيّة

رغم ذلك، يصعب التكهّن بالهدف الجوهري من وراء هذه الاستعدادات. ومن المرجّح أنّ التحركات في الوقت الراهن تهدف في الدرجة الأولى إلى تغيير خريطة السيطرة في محيط دمشق بشكل مؤثّر بحثاً عن رصيد يُمكن صرفُه على طاولات التفاوض، من دون أن يصل الأمر إلى حدّ التفكير في «عمليّة كبرى» تنشد الوصول إلى معاقل مركزيّة في الغوطة (مثل دوما على سبيل المثال)، نظراً إلى العوائق الكثيرة التي تفرض نفسها أمام عمليّة من هذا النوع. وتتنوّع هذه العوائق بين عسكرية يفرضُها الواقع الجغرافيّ للغوطة وحجم القوّة الذي تحتفظُ به مجموعاتُها المسلّحة، وسياسيّ يفرضه الإصرار الروسي على تجيير أي معركة لمصلحة «انفراجة سياسيّة». ويحظى أي تقدّم قد يحققه الجيش السوري على حساب «جيش الإسلام» تحديداً بأهميّة خاصّة، نظراً إلى أن الأخير «شريك» في المسار التفاوضي المتعثّر حتى الآن. علاوةً على خصوصيّة العلاقة بينه وبين السّعوديين الذين يخصّونه منذ تشكيله باحتضان ودعمٍ كاملَين على مختلف الصّعد. وليس من المتوقّع أن تتعامل موسكو مع «معركة الغوطة» في حال فتحها بطريقة تختلف كثيراً عن تعاملها مع معارك محافظة حلب، مع الأخذ في الاعتبار أنّ حجم التّعقيدات على جبهات حلب أكبر من كلّ ما سواها.


«السياسة» مستمرّة في ضبط «توازنات حلب»

لا يقتصر التّعقيد «الحلبي» على تداخل الميدان فحسب، بل يتعدّاه إلى تشابك الخطوط السياسيّة، سواء في ذلك هواجس الدول الإقليمية وأطماعها أو أهداف «القوى العُظمى». وتبدو الأهميّة الاستثنائيّة للمحافظة أشبه بلعنة كبرى، جعلَت حسم معركتها ميزاناً كفيلاً بترجيح كفّة الفائز فيها على كلّ المنخرطين في الحرب السوريّة برمّتها. وبات معلوماً أنّ هذه التعقيدات استمرّت على امتداد الحرب في فرض إيقاع معيّن على معارك حلب عبر الإصرار على ترك خطوط «التوازنات» حاضرةً في حُسبان الجميع. ولم يعد سرّاً أنّ معارك «عاصمة الشمال» كانت عنواناً لتباينات في رؤى الجيش السوري وحلفائه حول طريقة إدارة المعركة وحدودها. رغمَ ذلك، استعاد «المحور» أخيراً درجة عالية من التنسيق في ما يخصّ المرحلة الرّاهنة من معارك حلب. ويأتي العمل على استعادة المناطق الاستراتيجيّة التي خسرها الجيش وحلفاؤه في الريف الجنوبي على رأس الأولوّيات، مع استمرار «التشاور» في شأن التوازنات الميدانيّة التي يصرّ الروس على مراعاتها حتى الآن «تحت سقف التفاهم مع واشنطن». في الوقت نفسه، يُظهر «جيش الفتح» حرصاً كبيراً على الدّفاع عن «مكتسبات الريف الجنوبي»، مع ما يعنيه ذلك من إبعاد شبح العمليّات العسكريّة عن معاقله في إدلب. وفي سبيل ذلك استمرّت المجموعات المسلّحة في تلقّي مزيد من الدعم بالعتاد والعديد عبر الحدود التركيّة المُشرعة، ولم يعد الانخراط الفاعل في معارك حلب مقتصراً على «جبهة النصرة» وحلفائها المعهودين. وشهد الشّهران الأخيران «إعادة إحياء» لمجموعات مسلّحة «متوسّطة القوّة» كانت فاعليّتها قد انحسرت في مراحل سابقة عن معظم الجبهات. ومن بين تلك المجموعات تبرز «ألوية فجر الخلافة» التي شاركت في معارك «الفاميلي هاوس» مطلع الشهر الجاري (وكانت مسؤولة عن تفجير النّفق في منطقة الزهراء)، وهي عبارة عن بقايا «جيش محمّد» أعيد تجميعها قبل أشهر ورُفدت بأعداد من المقاتلين التركمان المدرّبين في معسكرات داخل الأراضي التركيّة. كذلك يحضر «لواء الحريّة الإسلاميّ» الذي كان قد انفصل أواخر العام الماضي عن «جبهة الأصالة والتّنمية». وجاء الانفصال على خلفيّة الولاء المُطلق الذي يدينُ به «اللّواء» لأنقرة، خلافاً لـ«الأصالة والتنمية» التي تحوّلت إلى نواة لـ«جيش سوريا الجديد» المحسوب على الأميركيين («الأخبار»، العدد 2836). ومنذ انفصاله أعيد تأهيل «الحريّة الإسلامي» ورُفد بـ«مجاهدين محليّين» القسم الأكبر منهم من مدينة جسر الشغور.