ليس الشتات الا منفى مؤقتاً. ليس مكاناً ولا سكناً. لا تمت في منفاك إذن. هادنه إن استطعت وأخبره أن لك بيتاً وأرضاً وحصاناً مثلك قد شاخ في "جبع" منتظراً الخيال الذي ذهب وما عاد بعد.

ثمانون عاماً نصفها ونيف أمضيتها مرتحلاً ما بين "أوطانك بلاد العرب"، مفاخراً بتعلمك اللغة الإنكليزية أثناء إقامتك المؤقتة في لندن، حيث مغامرتك التي يملأ تذكرها وجنتيك بالأحمر. وكل حكاياتك التي لكثرتها يزداد اختلاطها كلما خطوت طاعناً في ثمانينياتك حتى صارت حكاية واحدة: مقدمتها تحت زيتونات قريتك الغافية في صدرك، والتي ما زالت غرسات، وخاتمتها قلب عاد بعد الشيخوخة طفلاً يلهو بغرسات الزيتون المكحلة بغضب أبيك المشدود إلى زرعها والمنزعج من عبثك بها حد استخدام السوط عقاباً.
لست هنا، ولست هناك أيضاً. غرفة بفضل "واسطة" في المشفى الحكومي، أدوية كثيرة، سرير وكرسي مدولب يقودك الى غرفة الأشعة ومنها. تكثر كلماتك، حكاياتك.. مغازلاتك للممرضات وبطولاتك التي عادت الى منشئها في الضفة. في الضفة حيث لم تترك أطفالاً سبعة، لكنك بقيت طفلاً.. سرقته بلاد العرب الى الشتات.. وأبكته عند الحدود يوم بعينيه لامس فلسطين بعد غيبة متمتاً "اديش انت بعيدة واديش كنا قراب".. مكملاً تمتمته بعتابا من فرح وشقاوة وخاتماً بالتفاتة نحوها "بي بي الغربة/ الوطن حنونا".
أعياك المرض و"الأونروا" التي غطت تكاليف علاجك في السابق تعتذر اليوم بلهجة مستهجنة. كأن ذلك الموظف، والذي يؤدي وظيفته بأمانة موكل بأخبارك أنه كان عليك أن تشفى يوم أمدتك المنظمة الدولية بعطائها العلاجي، أو أن تموت. "اديش عمرو المريض؟ 80 سنة!" ينظر باستهجان! ثم يستدرك نفسه ".. ما في ميزانية"!
ها أنت ممدد في سرير معدٍّ للمرضى الفقراء. تضحك كأنك لا تريد أن تعترف بالوجع كي يتسنى لك الاعتراض على حكم المرض. تضحك لنصح الطبيب الذي يردد على مسامعك الإرشادات لتفادي الغرغرينا، وتخبره إحدى حكاياتك وتنصحه بدورك كي يتمكن أن يعيش مثلك الى الثمانين وأكثر. فالغربة التي تقول إنها قصرت عمرك لم تمتد الى ذلك الشاب المزهو بلباس الطبيب ونصائحه المحفوظة.
ها أنت في سرير يئن تحت ثقل حكاياتك التي يستدعي قصها بعض الحركة، والذي يزعج الى حد ما جارك في السرير الموازي، والذي يشكو من كثرة كلامك وصرير سريرك ولهجتك.. والذي أخطأ بحق نفسه حين أبدى لك امتعاضه من "الدولة" التي تمنحك سريراً في المشفى الحكومي، فيما لبناني منذ أكثر من عشر سنوات لم يجد سريراً! سخريتك من عقله والتعابير النابية التي أسمعته إياها مستمتعاً بتذكيره ببطاقات الإعاشة التي وزعتها لسنين منظمة التحرير، ومسترسلاً بإذلال عنصريته عبر إسماعه الأناشيد التي تغني فلسطين في الأغاني اللبنانية.. كاد غضبك المتراكم في سنين الشتات أن ينفجر بوجه الجار المتهالك. لكنك، لحكمة ما اكتفيت بجعله يصمت دون أن تقول كل ما لديك. اكتفيت بإسكاته لحين مغادرتك المشفى الى المنزل الذي لا تعتبره بيتاً ولا تسكن فيه إلا مرغماً، أو هذا ما ظنناه.
فبعد عودتك، مدركاً أنك لست هناك، ما عدت أبداً هنا. ما عادت حكايات لندن تنهمر من صباحاتك وغادرتك البلاد العربية التي زرتها وعشت فيها.. ما عاد في ذاكرتك إلا نصف عمر، أو اقل بقليل، يطوف حول بيت أمك وحقل جدتك..
في الهناك. في "الضيعة" التي تهادن الموت على وقع حلم العودة إليها، وتنتظر...