البارد "إلي بيطلع من داره بقل مقداره". كلمات ما زلت أذكرها، وستبقى محفورة في ذهني كلما شاهدت صوراً لنزوح ما في بلد ما. كلمات حروفها من ذهب، قالتها تلك السيدة السبعينية حينما جمعتنا ظروف النكبة الجديدة التي ألمت بمخيمنا منذ تسع سنوات بالتمام والكمال، كنا نتقاسم ممر (كوريدور) المدرسة في مخيم البداوي، ويفصل بيننا ستار من نايلون أزرق، حيث عشنا معاً سبعة أشهر، عانينا فيها من ذل النزوح والتهجير المؤقت كما قيل يومها لنا. أقصد بعد نكبة البارد، مخيمنا. كنت في حيرة! عن أي "ترك الدار" تتحدث جارتي السبعينية؟ فهي من طوت في صدرها نكبة تجذرت عميقاً بين الضلوع، وفرخت كشجرة صبار عتيقة. هي أم النكبات، ولولاها ما عشنا ما نعيشه، وما رأينا ما رأيناه بالأمس واليوم، وسنراه غداً من مآسٍ.

كانت قد تركت قرية النهر في الجليل لاجئة إلى لبنان، من مخيم النبطية إلى تل الزعتر، ومنه إلى مخيمات بيروت ثم إلى مخيم البارد، والآن أصبحت جارتي وأنا نازح مثلها في مدرسة لبنانية، يفصلنا حاجز نايلوني أزرق، أسمع أنينها، وأعدّ أنفاسها ليلاً.
لا فرق أن تعيش نكبة واحدة، أو نكبات متعددة أو متكررة، لأنها ليست حدثاً وقع وانتهى في حينه، إنها حالة مستمرة بأشكال مختلفة، هي تجربة مرة وفريدة في آن، أما أن تتجاوزها أو سوف تستقر في أعماقك إلى الأبد سوف تتقاذفك النكبات وتورث أبناءك النزوح في أحسن الأحوال، أما أن تدفنها في زمانها ومكانها، أو ستلفظك خارج المكان والزمان، وليس صدفة أن يكون لشهر أيار معنا مواعيد متجددة. فها هو يجدد موعده معنا مرة أخرى، وبفارق أيام عن ذكرى النكبة الأولى، ليصب جام غضبه على المنكوبين المهاجرين قسراً من الوطن، فيتكرر المشهد مرة أخرى. وتكاد تجزم أن ما تراه هو نفسه ما رأيته قبل ستين سنة ونيف، مع فارق بسيط هو أن أهلنا في عام 48 خرجوا مشياً، وعلى ظهر الدواب.
 يخرج الأهالي زرافات ووحدانَ سيراً على الأقدام، في جماعات تحمل معها ما استطاعت حمله من خفيف الثياب على أمل العودة القريبة، في وقت قريب إلى مخيم كان بالأمس يضج بالحياة في أبهى صورها، فالأسواق مكتظة بالبشر، والبضائع على حد سواء، وأصوات الباعة تختلط بأبواق السيارات المزدحمة في شوارع مخيم كان أهله يعيشون بنعمة من الله وفضل، ويحلمون بغد أفضل في بلادهم المسلوبة. مخيم حمل الوطن في قلبه وذاكرته، بحاراته المسماة بأسماء القرى والبلدان الفلسطينية، هو الذاكرة والشاهد والشهيد، هو المخيم البوصلة نحو قرى فلسطين وبياراتها، هو المخيم التراث والعادات والتقاليد الذي بقي محافظاً عليها، ولم يتأثر أبداً بمحيطه إلا إيجاباً، هو مخيم البارد، بوابة عكار إلى طرابلس، هو ملجأ فقراء الشمال في أسواقه التي كانت. كأنما من أراد اغتيال المخيم أراد اغتيال هذا الحب، وهذا الانتماء، أراد اغتيال فلسطين مرة أخرى، أراد اغتيال كل هذه الرمزية، وضرب علاقاته الاجتماعية، وانفتاحه على محيطه.
لم يكن أحد يعلم ما كان يخبئ لنا القدر. سهر أهل المخيم ليلة العشرين من أيار كالمعتاد، حيث لم يكن يقلقهم شيء، كل يفكر في غد، فهو نهاية الأسبوع، وهم في غفلة عما يحاك لمخيمهم في ليلة دهماء ظلماء كانوا يحسبونها كباقي لياليهم وأيامهم، في ما كانت أيدي الشر المتعددة تخطط وتدبر لأمر عظيم قلب حياة الناس رأساً على عقب. تدبير يعز فيه الذليل، ويذل فيه العزيز، ويسند فيه الأمر لغير أهله.
هكذا وبغفلة من الزمن وجد الناس أنفسهم في عاصفة قضت على أربعة وستين عاماً من الجهد والعرق والبناء، عاصفة أتت على الأخضر واليابس في حرب ضروس التهمت في طريقها البشر والحجر، وقضت على الأحلام والآمال والذكريات، ودمرت كل شيء، لينتج عنها مزيد من الآلام والأحزان والكوارث الإنسانية، والموت والدمار، والتي ما زالت آثارها إلى الآن تتفاقم، ليستفيق الناس على واقع مختلف، وحياة أخرى لم يعهدوها سابقاً، اختفى فيها كل شيء: الألفة والمحبة، وحتى الابتسامة، ليحل مكانها نمط آخر من حياة أخرى مختلفة، يسودها البغض والتناحر والجشع، أوصاف ونعوت لم تكن يوماً في قاموس مخيمنا الطيب.
هم لم يدمروا الحجر فقط، إنما دمروا البشر بسلبهم حياة تأقلمت مع محيطها، أحبته وأحبها، وبنت على تلك المحبة. أفرغونا حتى من ذكرياتنا، من طفولتنا، مسحوا كل شيء استطاعوا مسحه، إلا أنهم وعلى الرغم من ذلك لم ولن يقدروا على قتل الحلم الباقي والأمل، لن يستطيعوا قتل الإصرار فينا على الحياة من جديد، فسنبقى طائر الفينيق الذي يخرج من تحت الرماد أكثر عزماً وقوة وقدرة على تجاوز كل الأزمات مهما عظمت، نصقل كما السيوف، ونزداد صلابة.
عدنا لنعمر من جديد، ولنتجاوز الأزمة، لنثبت للعالم من جديد أننا مؤهلون لنلفظ النكبة مرة أخرى كما لفظناها من قبل، لأننا ما زلنا نتمسك بالأمل في النهوض من كل كبوة، الأمل أن يبقى المخيم بوابة عودتنا إلى الوطن مهما طال الزمن أو قصر. وسنبقى على العهد مهما فعل أيار بنا، ومهما تتابعت نكباته.