منذ أيام أفكر بأنني لا بد أن أكتب عن النكبة، عن هذه المناسبة السنوية التي لا بد لها من نهاية. لم أتمكن فعلاً من الكتابة، وحتى الآن، ما أفعله مجرد محاولة لنفض بعض الغبار العالق من تتالي النكبات التي تحل على شعبنا الفلسطيني يوماً إثر يوم..

هل من المعقول أن تكون النكبة فقط ما حصل من تهجير سنة ثمان وأربعين من القرن الماضي؟ أليست النكبة مثلاً هي هذا الانقسام القائم منذ عشر سنوات تقريباً بين أكبر فصيلين، كان الشعب الفلسطيني يعول عليهما كثيراً..
فتح وحماس لم تكونا حين وقعت النكبة، ولم يكن أحد يعرف عن هذه العشائرية الرجعية الموجودة في شعبنا، كل ما كان حينها، مدن وأرياف، وبسطاء وبعض الملاكين من فلسطينيين ولبنانيين وسوريين، ويهود يأتون إلى بلادنا بتسهيلات من الانتداب البريطاني، ولاحقاً أصبحوا قوة تقصف قرانا ومدننا، لتهجر أهلنا.
لا أعرف لو كانت حينها فتح وحماس موجودتين، وكان كل منهما في طرف، هل كانتا ستفكران في أمر مواجهة تلك العصابات الصهيونية، أو بعض من باعوا الأراضي.. أو سيتدارسون المصالح والعلاقات الدولية الخاصة بكل منهما؟
لماذا أصب بعض غضبي عليهما؟ لأنهما لا يستحقان تمثيل شعبنا الفلسطيني الذي قدم ويقدم وسيقدم كل ما يملك لأجل حقوقه.
القيادة الفلسطينية بشقيها الفتحاوي والحمساوي أحيت ذكرى النكبة، وأحيت معها آلام شعبنا، وتناست بالطبع أنها اليوم مأساة أخرى مضافة الى قائمة المآسي التي وللأسف ما طبعها في شخصيتنا الفلسطينية إلا السياسة من سياسيين يعملون على كل التوازنات الدولية، إلا التوازن مع شعبهم..
تستمر النكبة بالطبع، وقد نحيي ذكراها المئوية، الأولى، لست سوداوياً، ولكن واقعاً كهذا لن يفضي بطبيعة الحال إلا إلى مزيد من الخراب والدمار والتراجع، والتنازلات التي لاهوادة ولا رادع لها، الجميع وطني على مقاس قدمه الشخصية، ويا ليت على مقاس مبادئ فصيله.. الجميع يريد فلسطين غير المعرفة، أي فلسطين تحديداً، مع احتلال أو من دون احتلال، والطرف الآخر الذي يريدها من "المية للمية"، واقع حاله مكتف بفلسطين من "مية غزة لبرها".
الكلام السابق الذي يعج بالشكوى والصراخ لا يفيد. هو مجرد كلام، إن قرأه أحد ما من الفصيلين، لن يعجبه بطبيعة الحال، وسيعتبره هذياناً، وإن كان مسؤولاً وشخص ما بقربه في تلك اللحظة، فسيذكره بما فعل فصيله لأجل الوطن، وفي آخر حديثه عن البطولات سيقول له معزياً إن "الكلاب تنبح والقافلة تسير"، وسيدعو حاجبه أو نادله، لا فرق، لإتمام الحديث عن مالية الشهر، من أجل النضال الوطني، والتوسع بفلسطينيين جدد، لإتمام صفقات من لديه أكثر من أبناء الشعب المسكين.
كلامي قبل السابق، لا يحتاج الى تفكير، وليس أكثر من "فشة خلق" ونعم كلي سوداوية، فبينما يهودي في العالم، يدافع عن حق "إسرائيل" في الوجود وهو ربما لم يزر فلسطين المحتلة بالأصل، نجد في المقابل بعض الفلسطينيين والعرب في أميركا يهاجمون فتاة فلسطينية من مخيم برج البراجنة، ذهبت ضمن "جولة النكبة" لتعريف المجتمع الأميركي بما حصل فعلاً.
هذه الفتاة اسمها آمنة الأشقر وهي زميلة اعلامية تعمل في قناة "فلسطين اليوم" ذهبت برفقة السيدة مريم فتح الله ـ أم أكرم من مخيم عين الحلوة (86 عاماً) بدعوة من «ﺣﺮكة ﻓﻠسطين ﺣﺮﺓ»، ﻭ«ﺣﺮكة ﺍﻟﺘﻀﺎﻣﻦ ﺍلدولي ﻓﻲ شمال كاليفورنيا»، وبالفعل قد تعرضت لهجوم من قبل بعض أعضاء «طلاب ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍلعدﺍﻟﺔ ﻓﻲ فلسطين»، خلال محاولتهم فرض رقابة على المواد التي ستقدمها آمنة وأم أكرم للجمهور الموجود في جامعة "ستانفورد"، فرفضوا أن تتلكم الفتاة بصدق، لأن ذلك قد يزعج بعض من لهم مصالح معهم، وآمنة بدورها تمثل ملايين اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء والعالم، وتتكلم عن واقعهم الناتج عن فعل الاحتلال، والاعلام الذي يظهره إنسانياً، بينما يظهر الفلسطيني إرهابياً، آمنة رفضت تقديم المحاضرة، وخرجت مع أم أكرم، وهذه الحادثة عمرها نحو أسبوعين فقط.
ما حصل، مع آمنة وأم أكرم، نكبة أيضاً، وما نواجهه في مخيمات الشتات، سواء ما حصل في مخيمات سوريا، وتشتت أهلها، أو ما هو واقع في مخيمات لبنان، من الحال اللا إنساني على الإطلاق الذي يعيشونه، وصولاً إلى مخيمات الضفة وغزة، حيث اللاجئ لاجئ في وطنه، مروراً بمخيمات الأردن وغيابها تقريباً عن الاعلام، رغم ما فيها من قضايا ومآسٍ.
هي نكبات تتوالى إذن، ونكبتنا الحقيقية هي استمرار واقعنا على ما هو عليه، ولا حل في الأفق ما لم يخرج منا من يقول للخطأ أنت خطأ وعليك أن لا تكون.