لم يكن يسمحُ لأحدٍ أن يناديه إلا باسمه "الروا" (أي الملك بالفرنسية). ولكن اللفظة تحولت بكيمياء المخيم الى"الروي". والروي أصلاً مقاتلٌ لبناني من أيام الحرب الأهلية، يعيش في المخيّم لربما منذ اخترع المخيّم، أهله أتوا إلى هنا نظراً الى ضيق الحال، وسرعان ما أنجبوه وأخوته السبعة. الروي الذي درس بين الفلسطينيين في مدارسهم، وتحديداً في مدارس الوكالة، بات يتحدّث مثل أقرانه، كان لا يعرف أصلاً أنه مختلفٌ عن بقية الصف، إلا حين توزيع الإعاشة، لم يكن معه "كرت زهر" (لون بطاقة الإعاشات التي كانت توزّع للعائدين الفلسطينيين) مثل الباقين. اعتقد أن ذلك الكارت لا يعطى إلا لأصحاب النصيب، إذ أن توزيع "الإعاشة" آنذاك كان ممتعاً وغنياً: حليب، سكر، زيت، سمنة، طحين، وفوق ذلك شوكولا وعصير. كانت الشوكولا والعصير هما أكثر ما يهم الصبية الصغار، ولأنّه لم يكن معه كارت إعاشة، لم يكن يحصل على أيٍّ من تلك الشوكولا والعصير أبداً، إلا ما يجود به عليه أصدقاؤه، ونظراً إلى ضنك الحال، قلما حصل على شيء.

الفلسطينيون بطبعهم يحبّون الإنجاب كثيراً، لذلك كان لأغلب أولئك الصبية الذين يتلقون الإعاشات أخوةٌ كثر، كان الروي مثلهم، لكنه بلا كرت إعاشة. ضاق به الحال كثيراً، أزعجه الأمر فسأل والدته: يما ليش ما معانا كرت أعاشه إحنا؟ أمه التي كانت تطبخ لم تنظر إليه حينما أخبرته: نحنا لبنانية ما بيطلعلنا كرت أعاشة. الروي لم يفهم ما الذي يعنيه الأمر، ما معنى أن يكون لبنانياً؟ وبماذا يختلف عن أصدقائه مثلاً؟ ولماذا للفلسطينيين الحق بأن يكون عندهم كرت إعاشة أما هو فلا؟ أكمل حديثه مع والدته: وشو يعني؟ آه؟ (قالها بلهجةٍ فلسطينية ثقيلة) ليش يعني هن بشو أحسن منا عشان يطلعلهن كرت أعاشة؟ بدي أفهم. صرخ في والدته التي تطلعت إليه مطولاً هذه المرّة ونطقت: روح عيط لبيك قله الأكل جهز. هو أعاد النظر إليها قائلاً: مين بيك؟ قلتلك ألف مرة إسمه أبوي أبوي. أمه ساعتها لم تعلّق بل أكملت الطبخ فيما هو توجّه لنداء والده.
ظلت تلك الحكايا تكرر أمام الروي؛ لم يكن وقتها اسمه الروي، أصلاً لم يهتم أحدٌ بمعرفة ما كان عليه اسمه قبل الروي. ظل الروي يحاول أن يثبت لأقرانه –الذين كبروا كما فعل- بأنّه فلسطينيٌ أكثر منهم، فبات يتحدّث لهجةً فلسطينية خالصة، ويشير إلى أنّه من "شعب" (قرية فلسطينية محتلة) وأنّه ليس "لبنانياً" بل إنَّ والديه قد تبنياه وهو لا يزال حدثاً بعد. كل هذه القصص لم تقنع أحداً البتة، لكنه كان سعيداً لتكرارها؛ كان سعيداً أكثر أنَّ أحداً لم يكن يسأل عن مدى الشبه الشديد بين إخوته وبينه.
وشم الروي خريطة فلسطين فوق كتفه وكان –كعادة شبان تلك المرحلة- يرتدي "الفانلة" البيضاء التي تعرّي أكتافه فقط لإظهار الوشم والتباهي به، التباهي بكونه "فلسطينياً" أكثر من أي شيءٍ. اكتسب الروي لقبه من لعبة "ورقٍ" شهيرة حين كان المقاتلون يتلهون بألعاب "الشدّة" حين تهدأ الأحوال، لكن الأحوال قلما هدأت، ورغم أن الروي أخذ الاسم من اللعبة، إلا أنَّ شهرته أخذها من مكانٍ آخر تماماً. كانت إحدى حروب المخيّمات تستعر، وكان مسؤول المخيّم آنذاك رجلاً كبيراً في السن، يدعى أبو المعتصم، المسؤول كان يحب تفقّد مقاتليه على "الجبهات" بشكلٍ فردي تجنباً للقنص من البناية التي تجاور المخيّم. وفي لحظةٍ ما، لحظة يحكي الروي عنها حتى اليوم، أطلق القنّاص رصاصةً كان هدفها رأس أبو المعتصم، تلقى الروي الطلقة بدلاً منه. لم يفعل ذلك بشكلٍ عادي، لقد فعلها كما لو أنّه مخلوقٌ خرافي: لقد قفز فوق أنقاض أحد المنازل ودفع بجسده أمام رأس أبو المعتصم، ما جعل الطلقة تستقر في كتفه وتخرج منه بسرعة البرق. أكثر من هذا وقف على قدميه –حسبما يروي هو الرواية- وسأل أبو المعتصم إن كان بحالٍ جيدة. تحوّل الروي في ليلةٍ وضحاها إلى نجمٍ بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بات أكثر شخصٍ موثوقٍ بالنسبة الى أبو المعتصم، أصلاً تمت ترقيته وبات مسؤولاً عن مجموعةٍ صغيرة، أسماها بخلية الروي؛ بالتأكيد هي خليةٌ لم تفعل شيئاً بخلاف تنقلها الدائم معه، لكنه على الأقل حصل على مجموعته.
يجلس الروي اليوم، أمام دكانه، يضع صورةً لأبو عمّار على حائطها، فيما صورة "ملك الكبّة" (من أوراق اللعب) تزيّن الحائط الآخر، يتحدّث اللهجة الفلسطينية دون سواها، حتى أولاده يتحدّثون الفلسطينية –ولكنهم بخلافه- يحملون الهويّة الزرقاء وكرتاً للإعاشة (رغم توقّف الأعاشة منذ زمنٍ طويل)، إذ كان طلب الروي الأوّل من أبو المعتصم "هويةً فلسطينية وكرتاً للإعاشة".