يخيّل لشخص لم يزر مطار دمشق منذ بداية الحرب أن كثيراً من الأمور ستكون قد تغيّرت. الطريق بمساره العام معروف، أما المجهول فهو ما تركته الحرب من ندب وآثار على امتداده، لتجعله شبه فارغ. يتجاوز الزائر العديد من المناطق التي كانت ملتهبة فيما مضى، بيت سحم ومفرق ببيلا والغزلانية. حواجز على امتداد المسافة تسألك عن وجهتك، تنتشر أعلام سوريا على طول الطريق، فيما تقل السيارات العابرة كلما اقتربت من المطار.

ينتظرك في الخارج حملة الحقائب، ليس ثمة تعقيد في اختيار أحدهم طالما أن مهمتهم هي ذاتها. تدخل عبر البوابة الرئيسية ليتم تفتيشك وأغراضك بشكل دقيق. تفتيش جسدي وآخر عبر أجهزة المطار. داخل المطار لا يبدو المشهد أفضل، فالازدحام قليل والصالات التي كانت يوماً تغص بالمسافرين، باتت شبه خالية. الحرب التي غيّرت كل شيء في هذه البلاد، وضعت ثقلها هنا أيضاً. لسنا مسافرين «عاديين»، هذه مهمة صحافية وجهتها حلب، وخيار السفر المتاح هو عبر طائرة عسكرية، نشطت رحلاتها خلال سنوات الحرب. ليس ثمة موعد ثابت للإقلاع، أو لم يرغب أحد بإخبارنا به، إذ اكتفى المسؤول بالقول إن الرحلة ستكون مساءً، وعلينا الانتظار. ساعات طويلة مضت قبل أن يخيّم الظلام ويصبح أمر السفر متاحاً بين لحظة وآخرى، ليتم نقلنا إلى قاعة للضيوف، ونعاود الانتظار مجدداً. ساعة إضافية لن تغيّر من الأمر شيئاً، فقد مضى وقت طويل منذ وصولنا إلى المطار.
قبيل منتصف الليل تم اصطحابنا نحو مدرج المطار، لنلحق الطائرة التي كادت أن تقلع قبل وصولنا لولا القليل من الحظ. على وقع ضجيج عالٍ لا يناسب حجم مصدره، صعدنا عبر البوابة الخلفية، لنفاجأ بأنه لم يبق لنا مكان للجلوس، فالجميع صعد قبلنا وحجز مكاناً له داخل هذه الطائرة المتواضعة، وبقيت أرض الطائرة الضيقة لنبحث فيها عن أفضل الخيارات، التي كان أكثرها منطقية هو الجلوس فوق الحقيبة. دقائق إضافية قبل أن تغلق البوابة ويبدأ الضجيج المتزايد يحفر في الآذان قصة رحلة لن تكون مريحة. تحركت الطائرة، وكان صوت العجلات مسموعاً بوضوح، خلال اثتني عشرة دقيقة إضافية من السير والدوران سبقت الإقلاع، قبل أن ترتفع أخيراً، وترتفع داخلها الحرارة بشكل مخيف، ليبدأ الركاب بابتداع أي وسيلة للتهوية. البعض صنع مما بيديه من أوراق وغيرها أدوات لتحريك الهواء. دقائق أخرى قبل أن يعتدل الجو مجدداً، أو نعتاده، ويصبح الوضع أفضل نسبياً، لولا الضجة التي لم تهدأ ثانية واحدة. عليك أن تسلي نفسك بأي شيء، ثماني نوافذ للركاب مغطاة بستائر خفيفة، ويبدو الوصول إليها من مكاننا مستحيلاً، فيما لا أحد يبدو مهتماً بها، وكأنهم اعتادوا الحالة بكل تفاصيلها.
قرابة ساعة من التحليق المتواصل في ظل غياب المعالم الواضحة للمسافة والمسار. أصعب ما يعترض الصحافي في عمله أن يفقد إمكانية تحديد الاتجاهات، أو أن يحس بأن كل ما يدور حوله مجهول. بدأت الطائرة بالانخفاض، ليرتفع الضغط بصورة لا تحتمل، مسبباً صداعاً واختلالاً في التوازن. دقائق عدة من الهبوط، يعود بعدها صوت العجلات مسموعاً بوضوح، قبل أن يفتح الباب الخلفي مجدداً، ليسمح للركاب بالنزول بسرعة، وسط الضوضاء المرتفعة والظلام، قبل أن تمتلئ الطائرة بالركاب العائدين إلى دمشق. يبدو أن محركاتها لا تقف.
تنتظرنا سيارة للزملاء خارج المطار لتنقلنا إلى حلب براً هذه المرة، ساعة إضافية انتهت بوصولنا قبيل الفجر بقليل. المدينة فارغة والسيارات العابرة قليلة، فيما المحال والمطاعم مغلقة. ليست هذه حلب قبل شهور، حيث يبدو أن موجة الاستهداف الأخيرة قد غيّرت من معالم هذه المدينة وعاداتها. أما عن جبهاتها، فلم يتضح شيء بعد...