لم يكن الحكم الصادر بحبس 152 شاباً مصرياً لمدد تراوح بين سنتين وخمس سنوات في تظاهرات «25 أبريل» الأخيرة، اعتراضاً على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية التي ستُنقل بموجبها تبعية جزيرتي تيران وصنافير إلى الرياض، سوى فصل جديد في تأكيد تبعية السلطات القضائية للنظام وتأييدها له. فالمحاكم التي تستغرق شهورا في الاستماع إلى أقوال المتهمين والدفاع ومرافعة النيابة، أصدرت حكماً في أقل من عشرين يوماً على الشباب الذين رفضوا التنازل عن السيادة على الجزر للسعودية.

كذلك فإنها مصادفة غريبة أن تصدر محكمتان في اليوم نفسه أحكاماً قاسية على الشباب في قضايا التظاهر في أماكن مختلفة: الأولى عاقبت 51 متهماً في تظاهرات وسط القاهرة بالسجن لعامين، والثانية عاقبت 101 من المتهمين في التظاهر في الدقي بخمس سنوات. عقوبات قاسية تواجه الشباب الذين حكم على غالبيتهم غيابياً واستناداً إلى قانون التظاهر وتحريات الشرطة والمباحث التي دانتهم بالتظاهر وبالتحريض على مؤسسات الدولة.
والمشكلة أن الشرطة لا تبدو جادة في تغيير الاتهامات المحفوظة، ولا القضاء جاد في تحقيق العدالة الناجزة بالقضايا، فالأحكام التي جاءت سريعة ومن دون الاستماع إلى مرافعات الدفاع ومن أجل إسكات أي محاولات للمعارضة، على غرار الأحكام بالسجن التي صدرت بحق الرافضين لقانون التظاهر فور صدوره في تشرين الثاني 2013، تحاول الحكومة بذلك وقف الاعتراضات على الاتفاقية التي تنتظر مناقشات برلمانية الأسبوع المقبل مع وصولها إلى مجلس النواب، من أجل مناقشتها، وسط دعوات جديدة للتظاهر في سبيل رفضها.
أما وزارة «الداخلية»، فتواصل بجدارة في «عام الشباب» الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي، استهداف الشباب المعارضين وتوجيه قائمة من الاتهامات تكفي للحكم عليهم بالسجن المؤبد، في وقت يوجد فيه نحو 1500 شخص غالبيتهم من الشباب تجاوزت مدة احتجازهم مدة الحبس الاحتياطي ولم يصدر بحقهم أي أحكام في قضايا عدة، وهم يُحتجزون في ظروف إنسانية غاية في السوء.

الأحكام جاءت سريعة ومن دون الاستماع إلى مرافعات الدفاع

وتضمنت قائمة الاتهامات، التي صدرت بها الأحكام على الشباب، قطع الطريق وإحداث الشغب والتظاهر من دون ترخيص والتجمهر، وصدرت بحق شباب لم يكن بعضهم مشاركا في المسيرات، ولكن صودف مرورهم أثناء القبض العشوائي على المتظاهرين، علماً بأن التحريات التي استند إليها القضاة في أحكامهم، أنجزت بعشوائية وفي زمن قصير.
وقانونياً، تسقط قيمة الأحكام القضائية التي صدرت بحق الشباب بمجرد الطعن بها، وهو إجراء يُتوقع أن يحدث في الأيام المقبلة بمجرد إيداع حيثيات الأحكام. لكن تبقى الرسالة التي حملتها الأحكام إلى الشباب الداعين إلى التظاهر، تقول إن أبواب السجن ستكون مفتوحة لكل من يحاول التظاهر ضد قرارات الدولة، كما تؤكد الأحكام القضائية الصادرة مؤخرا أن القضاء ينفذ الأوامر التي تصدر له، فمحكمة النقض التي تماطل في نظر الطعن بالحكم على حسني مبارك في قتل المتظاهرين، هي نفسها التي فصلت بسرعة في عدد من قضايا رموز النظام السابق وبرّأتهم من تهم الفساد التي صدرت أحكام أولية بحبسهم فيها.
أيضا، فإن الانتقائية الشديدة في القضايا التي تم الفصل فيها سريعاً مقابل إطالة أمد قضايا أخرى وتجاوز الشباب المحبوسين فيها مدة الحبس الاحتياطي، تؤكد أن السياسة باتت تلعب الدور الأكبر في القضاء الذي يفترض أن يكون مستقلا ويحكم بناء على الأدلة والبراهين، وهي معايير غابت تماماً عن هذه الأحكام.
من جهة ثانية، تسيء الأحكام القضائية، التي يرى فيها القضاة مناصرة للرئيس، إلى الجهتين. فالسيسي أعرب عن سعادته بـ«غيرة الشباب» على الأراضي المصرية، ورأى أنهم رفضوا الاتفاقية لعدم فهمهم خلفية الموضوع، فيما يواصل القضاة التقليل من رصيده في الشارع ومن مصداقيتهم هم.
إلى ذلك، انطلقت مطالبات برلمانية وحقوقية بضرورة تعديل منظومة القوانين الخاصة بالتظاهر والاحتجاج السلمي عبر «المجلس القومي لحقوق الإنسان» أو «لجنة حقوق الإنسان» في البرلمان، التي وصف رئيسها محمد السادات، الأحكام الأخيرة، بـ«الأوسمة على صدر الشباب المدافع عن وطنه».