لم يكد وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه يعلون، ينهي خطابه، الذي توجه به إلى جنوده طالباً منهم عدم الخوف من التعبير عن آرائهم، حتى سارع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى دعوته إلى جلسة أقرب لوصفها بـ«التأديبية»، من كونها لـ«استيضاح المواقف». طلب يعالون كان القشة التي قسمت ظهر البعير؛ فمنذ أسابيع يدور سجال بينهما، ظاهره «أخلاقيات» الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين.

الخلاف الذي بلغ أوجه كان متوقعاً بعكس ما يُشاع، ليس لناحية كونه تدرجاً طبيعياً لتراكم التناقضات في المواقف بين نتنياهو من جهة، وكبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، خاصة يعالون، ورئيس أركان الجيش غادي آيزنكوت، ونائبه يائير غولان، من جهة أخرى، بل لأن ذلك هو النتيجة الطبيعية للفوز الذي حققه اليمين الإسرائيلي بنسبة أصوات متقاربة أمام خصومهم في انتخابات «الكنيست» الأخيرة، بعدما تفوّه نتنياهو بعبارات عنصرية ضد العرب «لتهييج» جمهوره نحو صناديق الاقتراع.
لم يكن أمام رئيس حكومة العدو، في ذلك الوقت، سوى تشكيل حكومته اليمينية الضيقة، التي قلّصت حجم المناورة السياسية لديه، لذلك سعى إلى التعبير عن مواقف جمهوره من اليمين الإسرائيلي المتطرف، التي لا تعكس بالضرورة مواقف جميع الإسرائيليين.
في السياق، ذكر المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن «جمهور رئيس الوزراء محبط بسبب انعدام قدرته على ترجمة تفوّقه في صناديق الاقتراع من أجل وضع سياسة واضحة ومتشددة ضد الفلسطينيين، ومعارضيهم السياسيين».
ونار الخلاف لم تتوقف عند حدود القيادتين العسكرية والسياسية لإسرائيل، بل امتدت لتلتهم هيكل العلاقة بين هيئة الأركان العامة للجيش والجمهور الإسرائيلي، خصوصاً حول ما يتصل بمفهوم «القيم الأخلاقية» بالنسبة إلى الأولى. وبرز ذلك واضحاً في الدعم الشعبي الواسع للجندي الإسرائيلي الذي أطلق النار على جريح فلسطيني لا يقوى على الحركة (الشهيد عبد الفتاح الشريف). والأهم من هذا كلّه، وفق هرئيل، هو أن التأييد الشعبي يعكس مواقف عائلات الجنود، وأن هؤلاء لو كانت مواقفهم مشابهة لمواقف عائلاتهم، فإنه على الأرجح توجد أزمة حقيقية بين القيادة العسكرية العليا والجنود أنفسهم.
بالعودة إلى خطاب يعالون، فقد ذكرت وسائل إعلام عبرية أن الأخير جدد انتقاده للقيادة السياسية، وتحدث من مقر قيادة الجيش الإسرائيلي (الكرياه) في تل أبيب، إلى جنوده، مطالباً إياهم بالاستمرار بقول آرائهم من دون خوف، حتى في حال جاءت مخالفةً لآراء القيادة السياسية، خصوصاً أن الأخيرة وجهّت انتقادات لاذعة إلى نائب قائد هيئة أركان الجيش، يئير غولان، الذي صرّح خلال مراسم إحياء ذكرى «الهولوكوست» بأن إسرائيل شبيهة حالياً بالمرحلة التي كانت فيها ألمانيا قبيل صعود وهيمنة «الحزب النازي».
يعالون رأى، أيضاً، أن معيار الجيش الجيد هو عدم الخوف من قادته، وسواء أكان الجنود صغاراً أم كباراً عليهم الإدلاء بآرائهم من دون أن يحسبوا حساباً لما سيترتب على ذلك. وتصريحه كان ليبقى «محمولاً» لولا أنه استمر قائلاً إن «هذا الصراع لا مثيل له، وربما هو الأكثر أهمية منذ سنين، ليس فقط بالنسبة إلى صورة الجيش الإسرائيلي، بل إلى صورة المجتمع الإسرائيلي ككل».
أما ردّ مكتب نتنياهو فكان «قاسياً»، وقال إن «مقارنة إسرائيل بألمانيا النازية كانت غير لائقة، وفي توقيت غير مناسب، وسبّبت لنا ضرراً كبيراً في الساحة الدوليّة». وأضاف المكتب: «ضباط الجيش يقولون آراءهم بحرية، لكن في جلسات خاصة، وفي موضوعات من اختصاصهم... الجيش الإسرائيلي هو جيش الأمة الذي يجب أن نحميه من السقوط في النزاعات الداخلية».

هذا الصراع لا مثيل له وربما هو الأكثر أهمية منذ سنين

ورغم أن يعالون ونتنياهو خرجا «متصالحين» بعد جلسة «تهدئة الصدور»، التي عقدت صباح أمس، فإن وسائل إعلام عبرية أشارت إلى أن هذه الجلسة سجّلت أعلى قدر من السلبية تصل إليها العلاقة بينهما، بل إن الأمور قد وصلت إلى نقطة اللاعودة، حتّى إن وزراء وأعضاء من حزب «الليكود» الذي ينتمي إليه، مثل وزيرة الثقافة ميري ريغي، هاجمته قائلةً إن «الأمور اختلطت على يعالون، ومن غير المعقول أن يتصرف الجيش على أنه دولة، من دون العودة إلى القيادة السياسية».
أمّا وزير الطاقة يوفال شطاينتس، المقرّب جداً من نتنياهو، فهاجم يعالون بشدّة، قائلاً إن «غلطته كبيرة»، مضيفاً: «هو (وزير الأمن) لا يفهم الدوافع التي وراءها، لأن دور وزير الأمن يتمثل في تعليم الجيش قواعد الانضباط، والاهتمام بالتوتر الأمني القائم، وليس جرّه إلى سجالات سياسية».
صحيفة «يديعوت أحرنوت» رأت، في هذا الصدد، أن وصول الخلاف بين الاثنين إلى ما وصل إليه الآن لم يكن إلا «مسألة وقت»، مشيرةً إلى أن ذلك بدأ عندما التقى نتنياهو لواء المظليين التابع لجيشه في الجولان السوري المحتل من دون اصطحاب يعلون معه، بصفته وزير الأمن. وأضافت الصحيفة: «لا شك في أن شيئاً ما يحدث ليعلون الذي كان يعتبر في السابق أمل المستوطنين، وطالما عبّر عن مواقف يمينية أكثر من نتنياهو نفسه».
أمّا صحيفة «معاريف» فرجّحت أن سبب العلاقة المتوترة بينهما هو أن «يعلون يعرف شيئاً لا يعرفه بقيّة الإسرائيليين، أو أنه ببساطة يصرّ على عناده لأن ذلك صفة فيه».
وربطت الصحيفتان توتر العلاقة بالمفاوضات التي يجريها نتنياهو مع كل من رئيس كتلة «المعسكر الصهيوني»، إسحاق هرتسوغ، ورئيس حزب «يسرائيل بيتينو»، أفيغدور ليبرمان، لضمّ أحدهما إلى حكومته، واحتمال تعيين أحدهما وزيراً للأمن في حال إقالة يعالون. مع ذلك، يبدو احتمال إقالة يعلون بعيداً في المدى المنظور، كونه لا يعقل أن يعين نتنياهو هرتسوغ في هذا المنصب ويسبب غضباً للمستوطنين، في حين أن ليبرمان صرّح في وقت سابق بأنه لا يريد الانضمام إلى الحكومة.
عموماً، لا فرق كبيراً بين اليمين واليسار في إسرائيل، هذه الايديولوجيات تسقط بمجرد كونها تأتي في سياق الاحتلال، فهي تأخذ مفهومه وأبعاده وممارساته، لهذا فإن الخلاف نابع في حقيقة الأمر من رفض المؤسسة العسكرية التخلي عن عقيدتها أو ما يُعرف هناك بـ«عسكرة الأمة»، التي أسّس لها دافيد بن غوريون؛ هو لا يرفض ممارسات الجندي قاتل الشريف بصفتها دموية، بل يفعلها يومياً، لكنه يرفضها لكونها فردية، وخوفاً من أن تعمّم في ظل هذه الخلافات ويقفد الجيش مركزيته، ثم احتكاره للقوة.