لا شيء كالصيف بالنسبة إلى المخيمات في لبنان. يعتقد كثيرون أن فصل الصيف هو فصل الرحلات والبحر، لكن الأمر في حد ذاته يختلف جذرياً إذا ما كنت فلسطينياً، أكنت من سكان المخيّم أم لا. فالقضية في أبسط تجلياتها هي أنّ كوكبةً من المهاجرين الفلسطينيين يعودون صيفاً لتزويج أبنائهم من بناتٍ أو شبانٍ من مخيمهم الأم أو جواره حالياً. هكذا هي الحكاية بكل بساطتها ومباشرتها، لكن ما يختبئ خلفها هو أمرٌ أكثر إثارة للحزن ربما.


لا ترغب كثيراتٌ في ترك عائلاتهن والرحيل إلى "المجهول"، صحيحٌ أن أوروبا تعدُ بالكثير، لكنها أيضاً عالمٌ مجهول بالنسبة إلى فتيات لم يخرج بعضهن أبعد من العاصمة بيروت. تبدو الرحلة إلى أوروبا "خلابة" للغاية، فالمدن المليئة بالعمران والحدائق والمال الوفير، تبدو حلوة أمام من يبحث عن هذا، لكن تجارب كثيرة "غير مشجعة" تظهر في الأفق كذلك. تظهر حكايا كثيرة عن فتياتٍ تزوجن من "مهاجرين" فلسطينيين ليعانين ويلات العذاب والغربة والظلم من قبل الزوج نفسه (كسلوكه الشخصي أو أخلاقه)، أو عائلته مثلاً. في الإطار عينه تظهر قصص عذاباتٍ من نوعٍ مختلف كالظروف الحياتية الصعبة (والتي تختلف عن الوعود المغدقة إبان الخطبة والزواج) فقد يوحي الزوج بأنه يمتلك بيتاً أو عملاً أو حتى مالاً وفيراً في بلاد الغربة تلك (عادةً تكون دولةً في أوروبا الغربية ودول اسكندنافية: ألمانيا، فرنسا، الدنمارك، النروج)، لتتفاجأ الزوجة بأنه يعيش على نفقة الدولة مثلاً، أو أنه يسكن منزلاً تملكه "كنيسة" مجاورة، أو أنه – وتلك الطامة الكبرى - لديه زوجةٌ غربية - لم يخبر زوجته العربية عنها البتة - للحصول على الجنسية أو أوراق الإقامة منها.
على الجانب الآخر، يهرع الشبان الفلسطينيون إلى "حجز" قريباتهن اللواتي يعشن غرباً، فالحصول على زوجةٍ تحمل جنسيةً أو إقامة غربية، معناه أنه يستطيع وبسهولة التخلّص من قيود "البقاء" في بلادٍ لا تحبه ولا تؤمّن له حياةً كريمة من أي نوع. يحاول الشاب في تلك اللحظة أن يظهر كل نواياه الحسنة، سلوكه الجيد، فضلاً عن أخلاقيته العالية كي "ترتضيه" العائلة التي يريد الحصول على "زوجةٍ" منها، بالتأكيد يدخل "التمثيل" هنا، بالإضافة إلى نوع من "التبخير" الاجتماعي التواطئي إلى حدٍ ما. فيشهد الجميع للعريس الافتراضي بحسن أخلاقه وسلوكه، ويتجنب الناس، حتى من يكرهونه الحديث عنه بشكلٍ "سلبي": فقطع الأرزاق من قطع الأعناق.
هكذا تصبح القضية قضية "رزق" أكثر من كونها علاقة رابط زواج وحب. هنا يأخذ الارتباط شكل "الرابط" العائلي التقليدي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فالأهل المقيمون في الغرب يعنيهم كثيراً أن يحصلوا لبناتهم على أزواجٍ "شرقيين" لأسباب عدة، لا تقتصر على أنهم يخافون من "انحراف" بناتهن عن العادات والتحفظات الشرقية التقليدية.
ففي العادة، قلّما سمع في الوسط الفلسطيني عن فتيات خرجن عن رأي آبائهن، وإن حدث ذلك فهو في إطاره الأضيق، لكن ما يرغبه الآباء هو إضافة "دماء" جديدة "عربية" يثقون بها ومن العائلة نفسها (أو من القرية نفسها، أو حتى من الجنسية نفسها أي الفلسطينية). يضاف إلى هذا شعور الأهل بنوعٍ من الأمان عند إعطاء بناتهن لأزواجٍ يستطيعون السيطرة على "حركتهم" بشكلٍ من الأشكال، فالزوج القادم لا يعرف عن البلد المهاجر إليها الكثير، لذلك فإنه مضطرٌ للتمسك بقوانين العائلة التي يهاجر إليها، فأي مخالفةٍ لتلك القوانين قد تحول مخاوفه الكبرى إلى حقيقة: أن يطرد من "الجنة" الأوروبية المفترضة وأن تتم إعادته إلى جحيم "لبنان" من جديد.
في الختام، وبغض النظر عن سوريالية و"لاجدوائية" الفكرة القائمة على انتظار "عريسٍ" أو "عروسٍ" على "حصانٍ" أبيض، تبدو الفكرة مطبقة (طبقت وستظل تطبق كل عامٍ) في الوسط الفلسطيني لا لشيء، إلا لأن البقاء في "إطارٍ" عربي كاره ومعادٍ للفلسطيني (على الأقل في الحد الاقتصادي/الاجتماعي) ليس اختياراً محبذاً على الإطلاق!