"خدمة للعلم والأدب، أقدم هذا الكتاب النفيس هدية لمكتبة مدرسة الذكور الابتدائية بعكا. 10 مارس سنة 1924، كاتب إدارة المعارف، عكا، حنا موسى". كُتبت هذه العبارات على حائط "دارة الفنون" في جبل اللويبدة في عمان. التقت صورة للعبارة، وحمّلتها على حائط الفايسبوك. أرسلت لي صديقة رسالة تقول: "إنتي بفلسطين؟ كيف؟"، أجبت: "لأ يا عزيزتي أنا بعمّان يللي فيها كتير من ريحة فلسطين! ع كل حال.. بتمنى عن قريب نكون أنا وإنتي بفلسطين وأعزمك على فنجان شاي"، واختتمت الرسالة بابتسامة افتراضية.


وقفت أستذكر كلاماً قاله لي إبراهيم جوابرة من ليلة سابقة : "اللويبدة بتشبه رام الله بس لأنها مليانة أوروبيين". قالها تصحيحاً لمعلوماتي التي لم تأتِ بناءً على مشاهدة طبعاً، بل على كلامٍ قاله أحدهم لي قبل سنة ونحن نسير في الشارع نفسه إن اللويبدة تشبه رام الله في فلسطين.
لم أرد أن يشوّه إبراهيم صورة المكان في مخيلتي، بقيت أتخيل نفسي أسير معه في شوارع رام الله.
ثم فكرت في إبراهيم وأعماله التشكيلية، بخبرتي المتواضعة مع الرسم (كمشاهد فقط)، أصبحت على يقين أنه بقدر ما كان الرسام متفلتاً، يصبح قادراً على أن يدرك ما بداخلنا. وإبراهيم جوابرة لا يحب تناغم الألوان. هو ذلك المجنون الذي يصب الأحمر بعشوائية فوق كل تناغم، فيعريه، ويدركني. متواضع هو، وأنا كنت محظوظة بما فيه الكفاية ليعرض عليّ متابعته وهو يضع لمساته الأخيرة على مجموعة "الأطفال الذين ماتوا في الحرب".
مرسم إبراهيم ليس مثالياً، تماماً كما كل شيء في هذا العالم؛ هو ساحة المعركة الخاصة به، المجزرة ألوان، والأطفال الذين ماتوا في حرب غزة الأخيرة يولدون عنده كل يومٍ بملامح غريبة والكثير الكثير من الجمال. كل اللوحات كانت تشدني، توقظ بداخلي مشاعر مختلطة غير مفهومة، أنظر إليها كلها بحماسة، ثم أعود لأُمعن النظر بمُفضلتي، وهي لوحة من خارج المجموعة بقيت وحدها معلقة على الحائط، تصور أماً مع ابنتيها يبتسمن ابتسامات صفراء، عيونهن مقلوبة، وأجسادهن ممتلئة بشكل متطرف، فأرى التشوّه فيهن شيئاً جميلاً. أفكر في نفسي ما إذا كان مفهوم الجمال في ذهني شاذاً إلى هذا الحد، أم أن إبراهيم فعلها مرة أُخرى دونما أن يدرك أن كل لوحة هي مرآة عكست ما في داخلي من بشاعة. تكررت زياراتي لمرسم إبراهيم، كنا معظم الأحيان لا نتكلم كثيراً، أو لا نتكلم بالمرة. كان يشرد في لوحة واحدة لا يعرف كي يُحكم تفاصيلها، وأنا كنت أشرد في لوحة الأم مع ابنتيها.
"جبل اللويبدة" ينمو بخواطر المتطفلين، موسيقى وشعر ورسم، أنا وإبراهيم (على اعتبار أنه حالة استثنائية جديرة بالذكر)، وكثيرين غيرنا مِمّن شاؤوا أن يأتوا إليها كي يضيعوا في فوضاها الخلاقة.