من الواضح أن خطوة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، باستبعاد رئيس «المعسكر الصهيوني»، إسحاق هرتسوغ، من الائتلاف الحكومي، وإشراك رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، ليست إلا «صفعة» وإهانة شديدة، داخلياً وخارجياً.


فمن جهة، هي موجهة إلى هرتسوغ و«المعسكر الصهيوني»، ولكنها أساساً، تصيب المساعي الدولية والعربية، وتحديداً للمبعوث السابق للرباعية الدولية، طوني بلير، وللرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، اللذين اتفقا مع نتنياهو من وراء الكواليس، على الدفع قدماً بخيار «المؤتمر الإقليمي»، وإخراج العلاقات إلى العلن وتطبيعها بين تل أبيب والدول العربية، مقابل «تنازلات» إسرائيلية في الطريق إلى التفاوض، مع الفلسطينيين.
صحيفة «يديعوت أحرونوت» كشفت، يوم أمس، عن أن توقيت توجه السيسي في خطابه الأخير، كان قد أملاه نتنياهو نفسه، وذلك ضمن خطة منسقة بين الجانبين، اتفق عليها بين مكتب الاثنين، ونصت على أن يبادر الرئيس المصري إلى التوجه علناً وطلب استئناف المفاوضات، في مقابل سحب نتنياهو اعتراضه على استئنافها ضمن مؤتمر إقليمي. وبعد أن يصدر ذلك عن الأخير، يعمد الطرفان إلى تنسيق المؤتمر المقدر أن يكون مريحاً للجميع، لتجلس الأطراف الإقليمية على الطاولة وتتحادث، من ثلاث إلى أربع سنوات، من دون اتفاق مسبق على النتيجة المنشودة.
وأشارت الصحيفة إلى أن خطاب السيسي يشبه خطاب (الرئيس المصري الراحل أنور) السادات، الذي دعا نفسه فيه إلى زيارة الكنيست في القرن الماضي، فقد «سبقته اتصالات من خلف الكواليس بين الجانبين، تماماً كما حدث الآن. فمنذ أشهر عدة، تدور الاتصالات التي قادها موفد نتنياهو، إسحاق مولخو، مع مندوبين عن السيسي في القاهرة». لكن النهاية كانت غير ناجحة، «فالسيسي ليس السادات، ونتنياهو ليس مناحيم بيغن».
حول الأسباب التي دفعت الرئيس المصري إلى إجراء مفاوضات من وراء الكواليس لتحريك العملية السياسية، تلفت «يديعوت» إلى أن المعلومات المجمعة من المحادثات الثنائية نفسها، تشير إلى أن المصريين يرون في استمرار الوضع الراهن بين إسرائيل والفلسطينيين سبباً لعواقب وخيمة. وفي تقديرهم، فإن «السلطة الفلسطينية ستنهار، وحركة حماس ستفقد سلطتها وحكمها في قطاع غزة لمصلحة جهات أكثر تطرفاً، الأمر الذي سيتسبب في تداعيات وآثار جسيمة على الأمن والاستقرار عند المصريين».
ضمن هذه الرؤية، ترى القاهرة ضرورة استئناف المبادرة المصرية التي عرضت بعد عملية «الجرف الصامد» (العدوان على قطاع غزة عام 2014)، ونصت على «مؤتمر للدول العربية المركزية، المؤيدة للغرب، تؤدي إلى خطوة مزدوجة: استئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، وفتح حوار متعدد الجوانب يخرج إلى العلن شبكة العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل ودول عربية، في مسائل مثل الصراع ضد داعش وإيران، ويوثق التعاون الإقليمي في هذا الصراع».
في المقابل، كشفت صحيفة «هآرتس»، عما لم يرد في تقرير «يديعوت»، ونبهت إلى دور مهم ومركزي لرئيس الحكومة البريطانية السابق طوني بلير، الذي «يقف وراء خطاب السيسي وفذلكته وأهدافه، وتحديداً ما يتعلق بضم المعسكر الصهيوني إلى الحكومة الإسرائيلية، تمهيداً للمؤتمر الإقليمي بمشاركة عربية». ونقلت «هآرتس» عن مصادر سياسية إسرائيلية تأكيدها أن الأميركيين كانوا في «جو الخطة»، فقد عمل بلير بالتنسيق مع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الذي شجع بدوره الرئيس المصري على إلقاء خطابه، ودعوة «الأحزاب في إسرائيل» إلى التوصل إلى «اتفاق قومي»، حول الحاجة إلى الدفع قدماً بالسلام مع الفلسطينيين.
أيضاً، كشفت الصحيفة عن زيارات دورية نفذها بلير لإسرائيل والمنطقة في الشهور الأخيرة، التقى فيها نتنياهو وهرتسوغ، وأطلعهما على مضمون لقاءاته مع القادة العرب. و«الرسالة الدائمة التي كان ينقلها من اللقاءات، رغبة واستعداد الدول العربية السنية لتحقيق اختراق في العلاقات مع إسرائيل، لكن بشرط تنفيذ خطوات في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، تظهر جدية إسرائيل في ما يتعلق بالحل السياسي على أساس الدولتين».
كذلك، فإن مصدراً سياسياً إسرائيلياً أكد للصحيفة أن بلير هو الذي أقنع السيسي بالتوجه إلى الجمهور والأحزاب الإسرائيلية، في خطابه الأخير. ووفق المصدر «نسق بلير أيضاً مع هرتسوغ خطواته مع السيسي»، كما لفت إلى أن هذا الحراك هو الذي دفع كيري إلى التفكير في تأجيل نشر تقرير «الرباعية الدولية» الذي تضمن انتقادات ضد الاستيطان في الضفة، حتى يتضح هل سيشارك «المعسكر الصهيوني» في الحكومة.
وتنهي الصحيفة تقريرها بالسؤال عن خيبة الأمل المصرية، وتؤكد أن المؤتمر الإقليمي لن يعقد في القاهرة، والتوتر الأمني في الضفة بات وارداً وسيتصاعد، و«مصر ستبقى محبطة، والسيسي تلقى درساً جديداً: كان عليه أن يفهم أنه عندما يتحدث عن السياسة وعن التسوية السياسية، فإنهم في إسرائيل يتحدثون عن السياسة الداخلية، وعن البقاء الشخصي».
إلى ذلك، أعلن رئيس الحكومة الفرنسية، مانويل فالس، في مقابلة مع القناة الثانية الإسرائيلية أن كيري أكد حضوره الاجتماع الوزاري الذي أُجّل إلى مطلع حزيران المقبل للعمل على تحريك عملية التسوية الفلسطينية ــ الإسرائيلية. ورداً على سؤال القناة حول الدعم الأميركي للمبادرة الفرنسية، قال فالس: «أعتقد ذلك (...) كيري أكد حضوره، كما من المقرر عقد اجتماع آخر في الولايات المتحدة».
وأوضح فالس أن «فرنسا غير منحازة، وكل ما تريده هو إرساء سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين»، وذلك رداً على اتهام نتنياهو، باريس، بأنها غير حيادية. وعن مطالبة إسرائيل بالاعتراف بها «دولة يهودية»، ذكر فالس تحفظات بلاده، وقال: «نعلم أن إسرائيل دولة ديموقراطية كبرى، وأنها بلد لليهود، لكن ليس لهم حصراً».