بغداد | لم يكن سقوط الرمادي المدوي والتطورات الدراماتيكية التي أعقبتها محض صدفة أو جزء من عمليات الكر والفر التي تشهدها ساحات المواجهة في العراق مع تنظيم «داعش» منذ نحو عام كامل، بل يبدو أنها كانت انطلاقة لمسلسل التقسيم بحلقاته المعدودة عند مؤلفها وكاتبها، وفرصة سانحة لتبرير التدخل البري الأميركي وتحقيق كل الأحلام الأميركية التي قوضها وعرقلها على الأقل مشروع «الحشد الشعبي» وفتوى المرجعية الشهيرة.


ففي الوقت الذي لم تحرك فيه القوات العراقية من جيش وشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب، فضلاً عن عشرات آلاف من المقاتلين والمتطوعين في «الحشد» و«فصائل المقاومة» ساكناً، لم يسجل أي تعرض أو هجوم مضاد لـ«داعش» الذي باشر بـ«الإجراءات الإدارية» لضم الرمادي إلى ولاياته الأخرى، بحسب مصدر محلي في المدينة. وكشف مصدر مقرب من مجلس محافظة الأنبار لـ«الأخبار» عن تفاصيل اتفاق أميركي مع مجلس المحافظة وشيوخ عشائر يقضي بتدخل بري (يجري ترتيب آلياته) يفضي إلى تشكيل جيش «ثلاثي» قائم على ميليشيات «شيعية» و«سنية» و«كردية».

يتوقع أن ينفذ الدخول
البري في مدة لا تتجاوز الأشهر الثلاثة المقبلة

وأكد المصدر أن أعضاء مجلس المحافظة ناقشوا أخيراً مشروعاً يهدف إلى دخول قوات برية أميركية إلى محافظة الأنبار بعد حملة لتهيئة الرأي العام المحلي والعربي وحتى العالمي لذلك، مبيناً أن المشروع أثار انقساماً حاداً بين أعضاء المجلس، لكنه سرعان ما انتهى بموافقة الجميع وإن كان على مضض بعد محاولة البعض تحقيق مزايدات من خلال إعلانه رفض أي «احتلال» لأرض الأنبار.
المصدر توقع أن ينفذ الدخول البري إلى المحافظة في مدة زمنية لا تتجاوز الثلاثة أشهر المقبلة أو بعد انتهاء شهر رمضان بأيام قليلة نظراً إلى تسارع الانهيارات الأمنية والأحداث، لافتاً إلى أنه ستبدأ مرحلة بناء جيش قائم على «توازن شيعي سني كردي» بعد تنفيذ خطوة التدخل البري «الذي سيكون مفاجئاً ومدروساً إلى درجة تجعل الجميع أمام الأمر الواقع».
ويشير المصدر الأنباري (الذي يقيم حالياً في بغداد) الى أن أميركا ستسرع من وتيرة الانهيار في صفوف الجيش والقوات الأمنية العراقية وتتعمد الحديث عن ذلك كما بدا واضحاً في تصريحات الرئيس باراك أوباما الذي أشار إلى القائد الميداني الذي انسحب والقوة التي معه من دون إجبارهم من قبل «داعش» وهو تصريح، بحسب المصدر، الأول من نوعه لمسؤول أميركي بحجم أوباما.
وينوه المصدر إلى أن أميركا وكبار السيناتورات من أمثال جون ماكين وغيرهم سيركزون في تصريحاتهم المقبلة على أمرين، وهما فشل الحملة الجوية كما صرح ماكين أخيراً والخطر المزعوم الذي يداهم بغداد وسفارة الولايات المتحدة، فيما ستغض الإدارة الأميركية النظر عن تمدد قوى «الحشد الشعبي» والفصائل «الشيعية» والسماح لها بمزيد من التحركات والتنقلات كما جرى في الأنبار.
في هذه الأثناء، دافع وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر، أمس، عن الضربات الجوية لـ«التحالف الدولي» الذي تقوده بلاده ضد «داعش»، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية ستوصي بتغيير شكل الدعم إذا اقتضت الحاجة وذلك في معرض رده على سؤال لشبكة «سي أن أن» حول الدعوات المتزايدة من المشرعين الجمهوريين لإرسال قوات أميركية برية مقاتلة إلى العراق.
واعتبر كارتر أن «الضربات الجوية مؤثرة، لكن لا هي ولا أي شيء آخر نستطيع عمله يمكن أن يحل محل استعداد العراقيين للقتال. إنهم من ينبغي عليهم أن يهزموا الدولة الإسلامية ثم يحافظوا على مكاسبهم»، لافتاً إلى أن القوات العراقية لم تظهر أي إرادة في قتال «داعش» خلال سقوط الرمادي قبل أسبوع، وأن القوات الأميركية تحاول تشجيعها على الاشتباك المباشر بشكل أكبر.
في موازة ذلك، رأى المحلل السياسي والباحث في الشؤون الاستراتيجية عبد العزيز العيساوي أن تلك المعطيات هي الأقرب إلى الواقع حالياً نظراً إلى تسارع الأحداث «المذهل» الذي تمثل بسقوط الرمادي في غضون 48 ساعة بعدما راهن كثيرون على عدم سقوطها.
العيساوي حذر في حديث إلى «الأخبار» من المشاريع التقسيمية التي تحاك في أروقة البيت الأبيض وما تعدّه واشنطن للعراق والأنبار، مشيراً إلى أن القبول بالتدخل الأميركي أو الدولي برياً قد يكون أمراً واقعاً قريباً. ويضيف «عندما نقول قريباً فإننا هنا نتحدث عن أيام وأسابيع، لا عن أشهر»، لافتاً إلى أن «مارثوان العراق سينطلق من الأنبار. ولن تهدأ البلاد إلا بهدوء الأنبار» وهو لن يكون بالتأكيد خلال المدى المنظور.
في المقابل، استبعد رئيس «مركز التفكير السياسي العراقي»، إحسان الشمري، أن تقدم الولايات المتحدة حالياً على التدخل براً في الأنبار لاعتبارات عديدة. ويبيّن الشمري في حديثه إلى «الأخبار» أن أهم أسباب استبعاد تدخل أميركي حالي في العراق يعود إلى عدم حصول توافقات إقليمية حيث سيلقى معارضة إيرانية، فضلاً عن عدم وجود اتفاق داخلي.