تونس | سألتني الصحافية الإسبانية ونحن نتحدّث عن "الثورة التونسية" ومساراتها المتقلّبة، هل لا تزال تؤمن بأنّها كانت ثورة؟ ألم تغوك كلّ هذه التصريحات والوثائق المسرّبة هنا وهناك والتي تؤكّد أنّها كانت مؤامرة كبرى؟ ألا ترى ما خلّفته "ثورتكم هذه" من آثار مدمّرة على اقتصادكم ومجتمعكم وانهيار الدولة وعودة النعرات الجهوية والانغلاق الديني وتنامي الحركات الأصولية وفكرة الجهاد المقدّس وإفلاس النظام التعليمي مع طفرة في الفساد والزبونية؟ بل أما ترى ما يحدث في بلدان مثل ليبيا والعراق وسوريا واليمن وكلّه من تبعات "الربيع العربي" وتداعياته؟ ألا ترى تزايداً في شعبية بن علي وصدام حسين والقذافي؟ ألا تحتاجون اليوم إلى ديكتاتور ذي قبضة صارمة يعيد إلى دولتكم هيبتها وسمعتها الأمنية التي تبعثرت وأضرّت بصورة البلد المسالم والآمن؟

لا شكّ أنّها كانت تفكّر وأنا أطيل التأمّل في سقف المبنى التاريخيّ لذاك المقهى المشيّد منذ خمسة قرون بأنّها أحرجتني وأفحمتني بحججها، لكنّني كنت أتطلّع في سقف المقهى إلى بصمات من بنوه وأحاول أن أحزر جنسياتهم وأصولهم، فالأكيد أنّ فيهم عرباً وأمازيغ وأتراكاً وأفارقة، وأوروبيين بعضهم جاءت بهم الدياسبورا الأندلسية وبعضهم كانوا عبيداً من "غنائم" سفن القراصنة وقد كانت مدينة تونس عاصمتهم. وأحاول أن أقرأ من وراء تلك البصمات في ما كانوا يفكرون وبما كانوا يحلمون وهم ينجزون إحدى روائع المعمار التونسي الذي يصعب أن تميّز فيه تداخلات الأصول.
كنت سأجيب صديقتي بأنّ تونس هي كما قال الممثّل الفرنسي الشهير، ميشال بوجناح، وهو من أصل تونسي، "إنّ الله خلق التونسيين قبل كلّ شيء... ولمَ لا؟ فالتونسيون هم الأجمل والأذكى، والأكثر تحضّراً وتحرّراً، والأشجع، وبطبيعة الحال الأكثر ثوريّة... هذا ما تقوله عنهم وسائل الإعلام في العالم كلّه منذ عامين... رغم أنّ وسائل الإعلام هذه لا تعرف أنّ الله ــ في البدء ــ خلق التونسيين". ولكنني تذكّرت أنّ هذا كان منذ سنوات قليلة والثورة في عنفوانها، كما أنّ ما في العبارة من فخر لا يمكن أن نراه إلا صنفاً من التبجّح الكاذب. كان تبجّحاً "وطنياً" يغفر له صدقه ووهج الثورة، أمّا الآن، فصار تبجّحاً كاذباً ممزقاً بين تبجّح بالمدينة والقبيلة والدين والمذهب والجنس.
لكنني فضلت أن أكفّ عن تأمّل السقف لأرى على أرضية المقهى كلّ ما هو مقزّز ومنفّر، قلت لها إنّ "الربيع العربيّ" كذبة صدّقناها، وباسمها صارت أيّامنا شتاءً قاسياً. أنا أؤمن بربيع تونسيّ هو في الحقيقة مشروع علينا إنجازه، والثورة أو الانتفاضة أو الحراك أو مهما كانت تسميته منحتنا أفقاً جديداً لا ننكره، ومنحتنا فرصة اقتلاع سدّادة زجاجة تجمّعت فيها أوساخ وعفونة وروائح كريهة تكدّست هناك على مرّ القرون. وخياران أمامنا لا ثالث لهما: إمّا أن ننظف هذا الوعاء ممّا تكدّس فيه من مخلّفات التجهيل والتقسيم العرقيّ والجهويّ والطائفيّ والطبقيّ، وهذا قد يتحقّق بعد عشرين عاماً أو أكثر؛ وإمّا أن نبحث عن غطاء جديد يسدّ القمقم ويحبس داخله العفن والزبالة لنكون شعباً آمناً منظّماً قنوعاً، وعندها لا يلزمنا من جهد إلا البحث عن طاغية آخر قد يكون ضابطاً أو شيخاً يضع عمامة الدين والمذهب والشعارات الرنّانة ليعيدنا إلى القمقم ولا نخرج منه إلا بعد قرون إن عثر علينا صيّاد منكود الحظّ في غمار محيط التخلّف.
الربيع العربي كان خلاباً، تحوّل إلى صيف صحراويّ قائظ، لا شيء فيه غير دمقرطة القتل ونفخ بالونات الهوية القاتلة، وتعميم الجهل مجدداً، ولكن بعباءة المقدّس. والربيع التونسيّ لا تزال نسائمه تنعش عقولنا مع سحب تهدّد بشتاء قارس قد ينجلي وقد يتحوّل إلى عصر جليديّ يستمرّ أطول من الجليد العثمانيّ الذي لا يزال يثلّج العقل العربيّ ويمنع الدفء عنه.
عام 1990، تعرّفت في مهرجان الشعر العربي المنعقد في تونس إلى الشاعر اللبنانيّ، إلياس لحّود، وفي جلسة بأحد المقاهي كان حديثنا عن الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت قد انتهت منذ أسابيع قليلة، وعن إرهاصات "حرب أهلية" من نوع آخر في تونس بعد حملة الاعتقالات التي انطلقت ضدّ قيادات حركة النهضة (من الأحزاب الحاكمة اليوم)، وفاجأني إلياس لحود، وهو يتحدث عن حرب لبنان بلهجة مفتخرة، لأنّنا نحتاج في تونس، كما قال، إلى حرب شبيهة كي تنزع الأحقاد وتصفّي القلوب... فهل نحتاج إلى حرب؟ بل هل صفت القلوب فعلاً في لبنان وزالت الأحقاد؟