تجاوزت المفاوضات اليمنية بين وفد صنعاء ووفد الرياض، الأسابيع الست، في أجواء تعكس دوران الحوارات في حلقة مفرغة بعيداً عن البحث الجادّ عن تسوية سياسية شاملة. هذا ما يبدو من وتيرة اللقاءات وأداء وفد الرياض المتقلّب، على الرغم من حدوث انفراجة غير مكتملة في ملف المعتقلين، إذ تحدثت معلومات عن اقتراب الطرفين من الاتفاق على مبادلة سجناء قبل بدء شهر رمضان.

ويوحي أداء الوفد الممثل لحكومة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي بأنه ينطلق بحساباته السياسية من الأجندة السعودية القاضية بخفض وتيرة العدوان على اليمن، بسبب ازدياد المطالب الإقليمية والدولية بوضع حدٍّ للحرب والمأساة الإنسانية الناجمة عنها، بالإضافة إلى التداعيات الأمنية والمالية الناتجة من استمرار الحرب على الوضع السعودي الداخلي.
وتدلّ ممارسات الوفد وتعنّته في بعض القضايا المفصلية على انطلاقه أيضاً من اعتبارات وحسابات خاصة بأعضائه. على سبيل المثال، إن مطلب تشكيل حكومة انتقالية، المتفق عليه بين الأطراف الداخلية سيُفقد حكومة هادي وظفيتها، ما يعزز الشك أيضاً باتساع المرحلة الانتقالية للشخصيات الموجودة الآن في هذه الحكومة، وذلك لأسباب عدة، منها ما هو داخلي ومنها ما يتعلق بانتهاء الأدوار التي رُسمت لهم.
بمعنى آخر، تتقاطع المصلحة السعودية مع حكومة هادي حالياً. فالأولى، تريد وقف الحرب ولكن ليس بأي ثمن، بل إن استمرارها في الاستراتيجية الحالية نفسها في المنطقة، ولا سيما في سوريا والعراق، يتطلّب ظهورها بمظهر المنتصر في اليمن. وإذا لم تتمكن من تأمين ذلك الإنجاز، فإنها غير قادرة على تقديم نفسها في الموقع الذي تدّعي فيه قيادة العالم العربي أو الإسلامي.

تبقى الكويت عاجزة عن التحليق خارج السرب الخليجي

وستفقد الرياض في حال إعلان الهزيمة في اليمن، منطق القوة الذي يؤهلها للبقاء في ظل تنامي قوى إسلامية «سنّية» تنافسها بالقوة أو بالشرعية الدينية. أما «شرعية هادي» التي تعتاش على الوضع الراهن، ويجبي المحسوبون عليها ثروات هائلة، فلا دور لها حالياً إلا تلبية مصلحة هؤلاء باستمرار الحرب.
ويمكن تفسير مطلبهم بعودة «الشرعية» إلى صنعاء لإدارة الحكم منها بطريقتين: الأولى، استمرار الرهان على سقوط حركة «أنصار الله» وحلفائها، وتراجع قدراتهم العسكرية أو الرهان على الانهيار الاقتصادي للبلد. الثانية، هي أن الإبقاء على مطلب العودة إلى صنعاء والحكم منها، يأتي فقط من أجل تعطيل المفاوضات والاستمرار في المراوغة وكسب الوقت وتحميل الطرف الآخر مسؤولية عدم الوصول إلى اتفاق تسوية.
إن النقاش القائم حالياً في الكويت والمتعلق بأولوية تطبيق بند تسليم السلاح الثقيل والانسحاب من المدن على تشكيل حكومة وطنية تشارك فيها القوى اليمنية كافة ويكون من مهماها تطبيق البند المذكور، يعني الطلب من وفد «أنصار الله» و«المؤتمر الشعبي العام» الاستسلام التام. وهذا انعكاس لعدم قدرة وفد رياض على تقديم رؤية شاملة قائمة على الحل السلمي وإنهاء النزاع، وجنوحهم باتجاه إبقاء الوضع على ما هو عليه لما فيه من تلبية لرغباتهم وتنفيذ للأجندة السعودية.
ويسعى وفد الرياض إلى تقويض المفاوضات باستمراره في رفع السقف السياسي، عبر الهروب من المرحلة الانتقالية والحل السلمي المتوازن من جهة، وتوتير الجبهات العسكرية من جهة ثانية. ويدفع كذلك باتجاه تحميل وفد صنعاء مسؤولية الفشل من الناحية الأخلاقية والقانونية وسحب شرعيته السياسية الآخذة بالتوسع على المستوى الإقليمي والدولي. وما محاولاته لتعليق المفاوضات والانسحابات المتكررة منها سوى دليل على عدم جديته ورغبته في المماطلة والتسويف.
في موازاة ذلك، تحاول الكويت، الدولة المضيفة، بذل الجهود للخروج من دائرة الجمود التي تتحكم بالمفاوضات، غير أنها تبقى عاجزة عن التحليق خارج السرب الخليجي المحكوم بالإرادة السعودية، وهي تحاول جعل تمنياتها على وفد صنعاء ضغطاً سياسياً وأخلاقياً. في المقابل، تناور دول الخليج عبر وسائل متعددة بادعاء الضغط على وفد الرياض بالعودة إلى الطاولة، مثلما حدث في اللقاء بين هادي وأمير قطر والأمين العام للأمم المتحدة منذ أيام في الدوحة، وهو اللقاء الذي عاد وفد الرياض على أثره إلى المشاركة في المفاوضات. إلا أن كل هذه الضغوط تبقى في الإطار الشكلي ولا ترقى إلى مرحلة الضغط الحقيقي للتنازل السياسي بغية الوصول إلى حل وسط لا يزال مرفوضاً سعودياً حتى اللحظة.