تونس | بين اليوم وأمس، غادر تونس أكثر من ألف يهودي، من بينهم أشخاص ذوو أصول تونسية، بعدما حلوا في البلاد للمشاركة في موسم الحج اليهودي السنوي إلى كنيس الغريبة الواقع في جزيرة جربة (500 كم عن العاصمة)، وهو الموسم الذي يبدأ عادة في اليوم الـ33 من "الفصح اليهودي" ويستمر يومين، وقد جرى تنظيمه هذا العام طيلة يومي 25 و26 أيار/مايو الجاري.

هذا الكنيس الذي يحمل اسم "الغريبة" يمثّل في كل سنة، وذلك منذ نحو 200 عام، قبلة لمئات اليهود من مختلف أصقاع العالم ومن داخل تونس أيضا لممارسة شعائر خاصة، تتمثل في إقامة صلوات وإشعال شموع داخل الكنيس والحصول على "بركة" حاخاماته وذبح قرابين (خرفان) والغناء في أجواء من الفرح وتناول نبيذ "البوخة" المستخرج من ثمار التين، الذي يشتهر بصناعته يهود تونس دون سواهم.
ويُعدّ احتفال "الغريبة" رمزا تاريخيا، لا فقط لـ"عراقة أقدم جالية يهودية خارج أرض فلسطين"، بل لأنه أيضا يُبرز صورة تونس المتعددة والمنفتحة على امتداد ثلاثة الاف سنة، والتي يُقيم فيها حاليا نحو 1500 يهودي يحملون الجنسية التونسية، ويسكن معظمهم في جزيرة جربة وفي تونس العاصمة. وقبل الاستقلال عن فرنسا سنة 1956، كان يعيش في تونس نحو مئة ألف يهودي، لكنهم غادروا البلاد نحو وجهات عدة.
ولعلّ أبرز جدل أثير خلال الموسم الحالي ارتبط بالحديث عن مسألة منح السلطات التونسية تأشيرة الدخول إلى أراضيها لنحو 50 شخصا يحملون جواز سفر اسرائيليا. وفي الوقت نفسه، أثيرت مسألة حضور الحاخام، رافائيل كوهين، وهو إسرائيلي من أصول تونسية يهودية ولم يزر تونس منذ خمس سنوات، وهو أيضا عضو في حزب "شاس" الاسرائيلي المتشدد دينيا. وفي هذا الصدد، قال الأمين العام لـ"حزب التحالف الديموقراطي"، محمد الحامدي، لـ"الأخبار": "عندما جرى الحديث عن مجيء سياح ايرانيبن تعالت أصواتهم خوفاً على الهوية السنية الاشعرية المالكية للبلاد... أما حين استغلت احتفالات الغريبة لاستباحة البلاد من قبل عتاة الصهاينة، فلم نسمع لهم صوتا".
منظم رحلات زيارة الغريبة، روني الطرابلسي، يقول في حديث لـ"الاخبار" إن "تنظيم زيارة الغريبة هذا العام كان تنظيما رائعا بسبب الحضور الأمني والعسكري الجيدين والتعزيزات الكبيرة التي أمنت هذه التظاهرة، وخاصة انه بعد أحداث بن قردان كان هناك تخوف من الزيارة، لدرجة الذهاب إلى (احتمال) إلغاء الموسم". ويوضح أنّ "الثقة التي كانت لدى الحكومة ووزارة الداخلية" شجعت يهود تونس، وخاصة المشرفين على تنظيم موسم الحج، على إعادة التفكير في اقامة هذه الزيارة خاصة بعد لقاء قال إنه جمع والده، بيريز الطرابلسي، بالرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، الذي أكد أن كل الإمكانات الأمنية واللوجستية ستتوافر لإنجاح الموسم، وهو الأمر الذي جرى فعلياً.
ويوم الأربعاء الماضي، شارك سياسيون وبرلمانيون تونسيون في المراسم التي انطلقت في جربة، من بينهم وزيرة الثقافة التونسية، سنيا مبارك، ووزيرة السياحة سلمى اللومي، ووزير الشؤون الدينية محمد خليل، والنائب الأول لرئيس البرلمان، عبد الفتاح مورو. وقالت وزيرة السياحة التونسية، إن "زيارة الغريبة تمثل رسالة تسامح وتآخٍ ووحدة بين كل التونسيين على اختلاف أديانهم"، فيما أشار مورو، في كلمة له، إلى أن "تونس بلد كل التونسيين، اليهود والمسلمين". وأضاف: "نحن بلد واحد وتونس تحتاجكم يا يهود ويا مسلمون من أجل العمل على مستقبل تونس، نريد أن نقول لمن يخوف اليهود من المجيء للغريبة لقد جئنا وها نحن محميون ومؤمنون".
ويحجّ اليهود إلى "كنيس الغريبة" منذ نحو 200 عام لإقامة طقوس دينية واحتفالات "الهيلولة" نظراً لرمزية هذا الكنيس الذي يعود تاريخه إلى ما يزيد على 2500 عام، وهو أقدم كنيس في أفريقيا وأحد أقدم المعابد اليهودية في العالم. ووفق الأسطورة، ترقد في الكنيس واحدة من أقدم نسخ التوراة في العالم. وتقول لافتة معلقة داخل الكنيس، مكتوبة بأربع لغات (العربية والانكليزية والفرنسية والألمانية): "يرجع عهد هذا المقام العتيق والمقدس المعروف بالغريبة إلى عام 586 قبل الحساب الافرنجي، أي منذ خراب الهيكل الاول لسليمان تحت سلطة نبوخذ نصر ملك بابل وقد وقع ترميمه عبر العصور".
وفي عام 2011، ألغي الحج بسبب تدهور الوضع الامني إثر الثورة التي اطاحت في 14 كانون الثاني/يناير الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، واستؤنف عام 2012 وسط اجراءات امنية مشددة، وبمشاركة 1500 يهودي، بينهم 500 من أوروبا، وزائر وحيد من الكيان الإسرائيلي، فيما كانت البقية من تونس التي تعيش فيها أكبر طائفة يهودية في العالم العربي.
ويُذكر ان كنيس الغريبة تعرض في 11 شباط/أفريل 2002 لهجوم انتحاري بشاحنة مفخخة، أدى إلى مقتل 21 شخصا (14 سائحا ألمانيا و5 تونسيين وفرنسيان اثنان)، تبناه تنظيم "القاعدة" آنذاك، وكان للاعتداء انعكاسات كبيرة على السياحة في تونس.