الأهالي: لسنا «دواعش»... أميركا تستعمر ولا تحرر!




ما إن تغادر آخر حواجز الجيش السوري وقوات الدفاع الوطني في منطقة أثريا حتى يتيه نظرك في صحراء تمتد كثبانها على طول الأفق. الطريق التي كانت تعج بالحياة قبل سنوات، خالية اليوم إلا من فوارغ الرصاص ورائحة البارود التي لا تزال تعبق في محيط مطار الطبقة العسكري.
هنا، على ما جرت العادة، يستبدل سائق السيارة كاسيت الأغاني بآخر فيه أناشيد تنظيم «داعش». أخفى التنظيم حواجزه وتغيرت معالمها كثيراً في الأشهر الأخيرة، حيث اختفت الدبابات والمدرعات من دون أن يعلم أحد أين ذهبت؟ يختبئ عنصران أو ثلاثة في زاوية قريبة من مكان الحاجز ولا يقتربون إلا بعد أن تتوقف سيارة للتفتيش، بعدما حصدت غارات الطائرات الحربية كثيراً منهم، حسب ما يروي عابرون على هذه الطريق لـ«الأخبار».
تنفس المسافرون الصعداء وهم يطالعون لوحة معدنية مهشمة على يمين الطريق قرب مطار الطبقة العسكري (الرقة 50 كلم)، بعضهم لم يزر المدينة منذ سنوات. ماتت آلاف الأشجار على طول الطريق بين الطبقة والرقة، ولم يشهد طريق «الثورة ــ الرقة» رحلات الربيع منذ أن تحول سد الفرات إلى مُعتقل، وأصبحت محمية الثورة الطبيعية مُعسكر استجمام لقادة التنظيم وقلعة جعبر ثكنة عسكرية لـ«المهاجرين».
آثار الدمار واضحة على أبنية مقاصف قرية السحل (13 كلم غربي الرقة). في هذه القرية التي ينحدر منها أحد أهم ولاة تنظيم «داعش» في سوريا وهو علي الشواخ، انتقم التنظيم من الملاهي الليلية بتدميرها وتجنيد أغلب الفتيات اللواتي كن يعملن فيها ضمن كتيبة النساء المعروفة باسم «كتيبة الخنساء». على مدخل مدينة الرقة (المقص) قرب معمل السلطان، يتفحص مسلحان البطاقات الشخصية ثم تتابع الرحلة طريقها، يقول أحد المسافرين. لم تكن الحال كما هي الآن، يحدّث سائق السيارة المسافرين: «والله من حظكم من كم شهر صاروا ما يدققون بالتفتيش، ولا يدققون على لباس الناس أو لحى الرجال، يبدو نهايتهم قريبة لأن شغلهم كله صاير من دون نفس». آثار الدمار واضحة في جسم جسر الرشيد (الجسر الجديد)، حيث تأذى كثيراً بسبب الغارات الجوية، كذلك يبدو الفرات كئيباً جداً، وهو الذي كان يفيض في نيسان وأيار على حواف المدينة، قبل أن تسرقه تركيا منذ سنوات. تستقبلك في المدينة جدارية بانورامية ضخمة مطلية بالسواد، يجاورها مبنى مديرية الصحة الفارغ، وكذلك مبنى مديرية البيئة الذي كان مقراً لديوان «الحسبة» وسجناً لأصحاب «المخالفات المسلكية» (تدخين، مخالفة لباس، خروج من دون محرم...). في ساحة المحافظة لا أثر للتنظيم، بعدما فرغت جميع الأحياء المحيطة بمركز المدينة من أهلها منذ زمن طويل. مديرية ثقافة الرقة دمرتها الغارات الجوية، كذلك مباني الإطفاء والبريد والمصرف المركزي الذي سرقه «أحرار الشام» قبل أن يتسلم المدينة «داعش». أخيراً وصلت السيارة إلى كاراج الانطلاق، أهلاً بكم في مدينة الرقة «أسيرة داعش».

يشكك أهالي الرقة في جدية «التحرير»

هدوء حذر

طائرات الاستطلاع تحلق بضع ساعات في الجو ثم تنصرف، لتأتي بعدها الطائرات الحربية وتُغير على أهدافها. أما على الأرض، فلم تعد منطقة الكاراجات مزدحمة كما كانت، لا أصوات الباعة ولا أغاني محلات بيع الكاسيتات. بعض البيوت أصبحت ركاماً، في منطقة تعرضت لقصف عنيف بسبب قربها من مقار «داعش». سارية العلم التي حمّلوها راية التوحيد، وحدها بقيت منتصبة وسط هذا الركام.
تقف سيارات شحن أمام المخازن والمستودعات الغذائية في شارع تل أبيض، ينقل أصحاب المتاجر بضاعتهم إلى أماكن يظنون أنها آمنة إلى حين. أصدر التنظيم قراره الحاسم «ممنوع خروج المدنيين إلا إلى الريف القريب وبلباسهم فقط». نشطت عمليات تهريب المدنيين عبر خطوط تهريب خطرة جداً، في الشمال، يستهدف الأتراك أي مدني يقترب من الحدود، حتى أولئك الذين يعملون في أراضيهم الزراعية لم يسلموا من رصاص القناص التركي، بينما وصلت تكلفة عبور الحدود بالتنسيق مع ضباط أتراك، إلى قرابة مليون ليرة سورية. يأخذ المهربون 150 دولاراً أميركياً على كل فرد يوصلونه إلى ريف حلب، و100 دولار إلى تل أبيض.

لعبة الإعلام

تتركز الكثافة السكانية حالياً في أحياء تشرين «رميلة» وحي المأمون «المشلب»، وجزء من حي الدرعية، وقد أثارت وسائل الإعلام الرعب في نفوس المدنيين الذين لزموا بيوتهم وجمعوا ما يستطيعون من «مؤونة الحرب». بينما ما زال بعض الشباب يجلسون في مقاهي الإنترنت، ويضحكون ساخرين من الأخبار التي يشاهدونها على شبكات التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإخبارية. يضحك محمود وهو يتابع الصفحة الأكثر شعبية على «فيسبوك» (الرقة تذبح بصمت)، ويقول لـ«الأخبار»: «لا أعرف من أين يأتون بأخبارهم، حسب ما يرد في صفحتهم يجب أن تكون قوى سوريا الديموقراطية على مشارف الرقة الآن». ويضيف: «يعرف الجميع هنا أن الولايات المتحدة هي التي تدعمهم... الناس تقرأ الأخبار عبر صفحتهم وغيرها من الصفحات ولا تجد على أرض الواقع شيئاً، رغم ذلك فرّ أغلبية الناس من المدينة».

اختفاء القادة

منذ أشهر فقط، كنت تشعر بأنك في إحدى الدول الأجنيبة وأنت تسير في شوارع المدينة، تسمع لغات عدّة يتحدث بها مقاتلو «داعش» الذين يُعرفون باسم «المهاجرين»، تتعب وأنت تبحث عن مواطن من أهل الرقة، لكن المشهد تغير الآن، يقول سكّان في الرقة. منذ مدة تناقلت مواقع إخبارية نبأ عملية نوعية قيل إنها طاولت أبرز قادة التنظيم، منهم «أبو علي الشرعي» وعدد من الأمنيين والمسؤولين، ليس هناك ما يوحي بذلك على أرض الواقع رغم الترويج الأميركي للحكاية. ويوضح أحد الناشطين ممّن لم يغادروا المدينة، لـ«الأخبار»: «لم يُقتل أحد من قادة التنظيم، الأميركان يبحثون عن نصر يضاهي إعلامياً نصر الروس في تدمر». ويضيف: «التنظيم في الحقيقة شبه منهار هنا، ستكون المعارك قاسية في الريف الشمالي، أما المدينة فقد غادرها أغلب المهاجرين وعائلاتهم ولم يبقَ سوى المقاتلين السوريين في التنظيم وبعض أبناء الرقة ممن تورطوا بدم الناس، والمجتمع العشائري هنا لن يصفح عن الثأر ممن استبد به في لحظة ضعف».


المعركة الوهمية

رغم أن المعارك بدأت في قرى الهيشة شمال الرقة، إلا أن الأهالي يشككون في جديتها وفي «نية الأكراد» تحرير المدينة. يقول حمزة لـ«الأخبار»: «في حال تحرير الرقة المدينة، ستحاصر القوات فيها لأن التنظيم لا يزال يتمتع بالثقل في مدينة الطبقة والمرتبطة بريف حلب الشرقي حيث يسيطر التنظيم، وفي مدينة معدان (60 كلم شرقي الرقة) والمرتبطة بريف دير الزور. ستكون تلك فرصة لتطويقهم من جميع الجهات باستثناء الشمال الذي قدموا منه». يشرح الشاب ابن الرقة: «نريد الخلاص، تعبنا كثيراً... لكننا رغم ذلك لا نستطيع الثقة بالأميركان، من يثقون بهم يجلسون في فنادق تركيا. نحن لا ذنب لنا في هذه الحرب، لسنا دواعش، حتى من انضموا إلى التنظيم من أبناء الرقة انضموا لحماية أعراضهم من انتهاك السعوديين والتونسيين والليبيين لها».