في المخيّم ولدت قبل اثنين وعشرين عاماً. في البيت الصغير الذي لا تتعدى مساحته أكثر من مئة متر بين العديد من البيوت الصغيرة التي لا تختلف في المساحة عن ذلك البيت. يُزيّن سقفه "الزينكو"، وهو الذي يعد شيئاً مرفهاً مقارنةً بغيره من المنازل التي لم تسقف بشكل كامل في تلك الأيام.

في الزقاق الصغير الذي لا يكاد يتسع لشخصٍ واحد يمرّ فيه، أذكر نفسي صغيراً أجري فيه، بين بيت جارتنا العجوز، وبيتنا الصغير، وهي واحدة من الذكريات النادرة التي ما زالت تتمسك بها ذاكرتي عن طفولتي ذات السنوات القليلة في المخيم، قبل أن نغادره بداية هذا العقد.
قبل أيام عُدت إلى المخيم. كنت مع مجموعةٍ من الأصدقاء في زيارةٍ للمكان. دخلت مع واحدٍ منهم في الزقاق ذاته، الذي كان الطفل ذو الأربعة أعوام يجري فيه هرباً من أمّه التي تلحقه، فتجده يرقد في حضن الجدّة العجوز في المنزل المجاور للزقاق، قديماً.
استغرب الصديق الزقاق الصغير عندما أشرت اليه قائلاً: "ادخل من هنا"، مردفاً استغرابه بسؤال إنكاري: "أهذا شارع؟!". دخلت معه ومشيت حتى بيت الجدّة العجوز، التي لا تزال في بيتها منذ ذاك اليوم، لم تتركه. أشرت له الى بيتنا "هذا كان بيتنا، ولدت هنا، وكنا نسكن هنا قبل عشرين عاماً".. "والله؟!"، يضيف متعجباً. فأهزّ رأسي مؤكداً كلامي.
في بيت العجوز، أتجوّل. البيت الذي نمت فيه كثيراً، وجريت خلف القطط، وسقيت المزروعات الصغيرة في الممرّ الممتد على أطرافه.
على الحائط، كان يتساقط دهان البيت عندما لامسته، دالاً على عتقه تماماً كما كان يتساقط في السابق، لكنه حافظ على وجوده طوال هذه الأعوام، وأبى أن يسقط وحده، دون أن تمسكه اليد التي لامسته قبل أعوامٍ طويلة، وسقط بسببها.
أنظر إلى الأعلى.. نصف البيت بلا سقف، كما كان أيضاً. فواحدة من الميزات التي يشتهر بها المخيّم ألّا تكون أسقف منازله مغلقة بشكلٍ تامّ. يعيشون كأسرةٍ واحدة، ويأتمن الواحد منهم الآخر على أبنائه ومنزله. سأل صديقي "ما بيغرقوا من المطر؟!". فأجبت أنّ هذه ميزة. يفرح أهل المخيّم بالمطر حين يزورهم في قلب منازلهم. ألا تكفيهم أوجاعهم الدائمة، كي يحظوا بلحظة واحدة من الفرح؟
في الأعلى، انتبهت لمنزلنا الصغير الجميل الذي يخبّئ الذكريات فيه كصندوقٍ قديم. لم يعد كما كان. سكنه أناسٌ آخرون، وبنوه مرةً أخرى، ولم يعد صغيراً كما كان. ارتفعت طوابقه.
لاحظت أنّ أغلب بيوت المخيم أصبحت كذلك، اختفت بساطة المخيّم في لحظةٍ واحدة، وارتفعت منازله ككلّ الأماكن، ولم يبقَ فيه سوى بعض البيوت القليلة، كبيت الجدّة العجوز، التي ظلّت تدعو لنا بالتوفيق عندما غادرناها، وأن يُنير الله لنا طريقنا وأيامنا، كما كانت دعواتها المعتادة منذ الصغر، وعلى طريقة الكبار الذين ما إن تسمع دعاءهم حتى يتيقّن قلبك أنّ فيه من الصدق ما يجعله صحيحاً، ومحققاً.
غادرت المخيم والحارة القديمة، كما بقيت أسمّيها طوال أعوامي الماضية. قطعت المسافة من الزقاق ذاته حتى مدخل الحارة ركضاً، كي ألحق أصدقائي الذين سبقوني وتركوني بين تخيّلاتي وذكرياتي في المكان. في ما بعد، علمت أنّ الذاكرة لم تقدر على تقبّل التغيّر الذي أحدثته بعض الأمور في المكان. بقيت كما كانت، تحتفظ بجمالها البسيط السابق، دون أيّ تشوّهاتٍ حديثة.