كان لا بد لها أن تتباهى بالجرح الذي تحمله في جبينها. فالجرح ذاك كان بالنسبة إليها ذاكرة جميلة، من بوابة فاطمة، حيث الوطن على مرمى حجر وشهقة قلب. ستّ عشرة ذكرى مرت على ذلك اليوم، الذي رافقت فيه اصدقاءها من الجامعة الى الشريط المحرر حديثاً..

في ذلك اليوم، كانت تعرف انها ذاهبة الى اقرب نقطة من فلسطين التي تعرفها عن ظهر قلب ابيها وجدها، لكن خيالها الذي لم يتوقع ان تدركها بالعين المجردة ولو من خلف شريط، بدا شائكا ومربكا. في لحظة كان يصور لها انها بعد قليل سترى دار جدها، الذي وصفها لها الف مرة، فصارت شيئا ملموسا من ذاكرتها، فتندم لأنها لم تُحضر معها في رحلتها مفتاح الدار.. تبسم دمعا لخيالها فتلجمه ليعود بصورة تظهر فيها خارطة فلسطين التي تزيّن عنقها في سلسلة كبقعة بعيدة ستراها عبر تيليسكوب.
في الطريق، حافظت على صمت من يعدّ نبضاته كي لا يفقد قلبه السيطرة على اللهفة، دخلت دارهم الف مرة وغادرتها.. الى ان وصلوا الى طريق كفرتبنيت، حيث لاحت فلسطين من البعيد، حيث الغيمات، مكللة بجبالها كمن ينتظر الزوار.. تمتمت بحزن غير مفهوم الكلمات.. امسك صديقها بيدها ليجدها باردة مثل قطعة ثلج.. كان الباص يقترب ومعه تزيد برودة اطرافها.. سار بمحاذاة الارض المقدسة. كانت تنظر تلك النظرة الخالية من اي مشهد. تقول عيناها أين أنا؟ يدها لا تزال باردة وترتجف كما يد جدها كلما امسك بمفتاح الدار. دقائق توقّف الباص. بدأوا بالنزول. فنزلت بحركة الية بطيئة. وعيناها معلقتان على بعد امتار وشريط شائك ودورية اسرائيلية وبرج مراقبة.. انها هنا. جلست ارضا. او ربما لم تحملها قدماها. جلست كمن تعب بعد مسير شاق. التقطت انفاسها بشهيق مسموع.. وكان نشيد موطني، الذي بدأ يتمتمه صديقها يسري كصدى بين اصوات آخذة في الارتفاع، فوقفت، تنهمر دمعا وانشادا ضاحكا. نادت جدها الذي يوم دفنه في مقبرة الشهداء في شاتيلا اخبرها انه عائد الى فلسطين. نادته صراخاً كما لو انه حال سماعها سيحضر. كانت تقترب من الشريط المعدني الفاصل، اخر الحدود بينها وبين كل ما لها. تعثرت لتقع تماما قرب الشريط ولينهمر دمها من جرح في جبينها كأنه دمع حبسته طيلة الطريق. لم يؤلمها الجرح برغم عمقه النسبي وبرغم حلوله في مكان ظاهر يجعل من الندبة فيه بالعادة امرا مزعجا. لم تفكر حتى باصرار رفاقها على الذهاب لتقطيب الجرح. بل كانت تمسح الدم المنهمر بشالها عن عينيها كي لا تخسر ولو ثانية من عناق ارضها بالنظر.
اليوم، تلك الندبة ذاكرة تحبها. تود ان تكون دليلها في يوم العودة، الى درب الدار، التي تركها لها جدها امانة.. ويقينها الاوحد انها لن تدفن في مقبرة الشهداء، ولا في اي تراب الا فلسطين. يقين تراه بدون سلك شائك ولا اجراءات تمنعها من معاودة الزيارة..