تُعيد مجزرة الزارة (ريف حماه الجنوبي) إلى أذهان السوريين ذكريات مروّعة لمآسٍ سابقة. المجزرة التي نفّذها مسلّحون تكفيريون في القرية الواقعة في ريف حماة، قبل أيام، ليست إلا حلقة من سلسلة حلقات عنف دموية تشهدها البلاد منذ سنواتٍ خمس.

وإن جرت العادة بأن يحتل الحدث صفحات الأخبار واهتمام وسائل إعلام عالمية، ليصير طي النسيان بعد أيام، بحسب التوظيف السياسي المطلوب، فإن خذلاناً غريباً يتجلى في قضية ضحايا ما عادوا يشغلون أياً كان.
ضحايا مجازر ريف اللاذقية (آب 2013)، الذين غابوا عن اهتمام الدولة ومسؤوليها، بقوا في أذهان ذويهم. أمام مجزرة الزارة يشعرون بسكان القرية البعيدة. فقد شربوا من الكأس ذاتها. تستعيد أم كرم تفاصيل الليلة اللعينة، حين نُكبت قريتها، الحمبوشية، التابعة لناحية صلنفة. يوحّدها مع بقية الأهالي الناجين من المجزرة العتب الذي يكسو الملامح. عتب على الدولة التي لم تقدم شيئاً في ملف المخطوفين، بحسب كلام الناجين من المجازر، أم سخطاً على استمرار الحياة بشكل طبيعي، وكأن ذويهم ليسوا إلا أرقاماً في حياة البلاد وأهلها.
المجزرة سبّبت لها إصابة، سرعان ما تعافت منها. خلّفت لها أطفالاً أيتاماً من بين أقاربها، رعتهم بسبب استشهاد والديهم. تصف ألوان تلك الليلة، حين بدت سماء القرية المظلمة أنارتها القنابل المضيئة، وسط أصوات الرصاص والقذائف. اضطر أهلها، بعد سماع أخبار سقوط نقاط الجيش الواقعة على مشارف القرية بيد المسلحين، إلى تركها على عجل.
«جبنا ودياناً على أطراف القرية. قطعنا مستنقعات غير آبهين بالحشرات والحشائش والطرق الوعرة. صعدنا صخوراً لم يكن لنا أن نقدر على اعتلائها في الأيام العادية. إنما... هو الخوف»، تقول أم كرم. وتضيف: «كنا نجهل ما يجري في بداية الأمر، إذ صاحت إحدى النساء مع دخول المسلحين مرتدين اللباس المموه: الله محيي الجيش. لم يكن لنا أن نعرف من هؤلاء قبل استشهاد واختطاف أقاربنا».

ينادي زوجة عمه «ماما»، من دون أن يدري أن أمه استشهدت


مأساة زياد الصغير

في عيني زياد غدير ديب، ذي العامين، يمكن اختصار الحكاية. الطفل الذي اختطف قبل أن يتم عامه الأول، أُعيد في مبادلة وحيدة، بعد عام، محتجزين آخرين، تم انتقاؤهم عشوائياً. فيما أُبقي العشرات منهم بانتظار مبادلة جديدة. الطفل الذي يعرّف عن اسمه الثلاثي، ليبقى اسم والده الراحل حيّاً، كما علّمته زوجة عمه ومربّيته. يبتسم للغرباء غير عارف بما سيثقل كاهله مع تقدم السنين ومعرفته مصير والديه. ينادي زوجة عمه: «ماما»، دون أن يدري بعد أن أمه استشهدت برصاص المسلحين المهاجمين لقريته الجبلية الصغيرة، أمام عيني أخته الكبرى، زين.
وإذ ترفض زينة، 14 عاماً، الحديث إلى الإعلام، لعدم رغبتها بـ«تكرار الحكاية ذاتها دون جدوى، ودون إمكان للإضاءة على مأساة عائلتها». غير أنها تروي باختصار مجريات الليلة المشؤومة. شقيقها الأكبر بقي مجهول المصير حتى الآن، وقد استشهدت والدتها أثناء بحثها عنه.
«كان بيتنا أول بيت خلف خطوط الجيش، فهو أول البيوت التي هاجمها المسلحون»، تقول الصبيّة. والدتها التي ركضت باتجاه المسلحين متسائلة عن مصير ولدها، أمجد، جاءتها الإجابة الباردة: «لقد أصيب بسبب برميل رمته طيارات الأسد». فصرخت الأم ملتاعة: «طيارات الأسد أم أنتم قتلتموه!».
الإجابة التالية كانت رصاصة في الرأس، فسكتت الأم إلى الأبد، أمام زينة. المسلحون اقتادوها إلى الخطف، لتخرج بعد قرابة العام معبّأة بالمسؤوليات، تجاه شقيقها الصغير زياد. تتعاون مع زوجة عمها في تربيته، سيما بعد معرفتها باستشهاد والدها أيضاً. تبدو كما لو كانت أماً صغيرة، أعطتها المأساة ملامح أعوام إضافية لم تعشها.

طفلة بلا طفولة

حكاية أُخرى ترويها مرح، المخطوفة المحرّرة ذات الأحد عشر ربيعاً. لا تلوح بوادر أي ابتسامة على وجه الصغيرة، رغم جميع محاولات انتزاعها. الصغيرة اقتيدت مع أمها وأشقائها الأربعة، بينهم أخوها محمد، ذو الأشهر القليلة، من بيتهم الصغير إلى المجهول.
تروي الصغيرة تفاصيل هبوطها درج المنزل. تلمح قدَمي جدّها المرمي في إحدى الغرف الجانبية. تعرف أنها جثّة، بمجرد أن تحاول أمها أن تغلق عينيها الصغيرتين. وخلال فترة الخطف رعت مرح الصغيرة شقيقها محمد، الذي كان يفضّل حضنها عن الجميع، لتأتي النهاية السعيدة المفترضة يوم اختيارها مع محتجزين آخرين لتخرج إلى الحرية. «ليتهم تركوني في حضن أمي. حضن أمي أحلى»، تقول الطفلة.
تزعجها أسئلة التلاميذ في المدرسة وفضولهم ليستمعوا إلى حكايتها. تستجيب لمحاولاتهم معرفة تفاصيل عن نكبة عائلتها أحياناً، فيما ترفض الإجابة مستاءة من فضولهم، ممتنعة عن استذكار لحظات الموت والحرمان. عرفت الطفلة لاحقاً استشهاد والدها في تلك الليلة، فبدأت بالاستعاضة عن حضن أمها بزيارة قبره البارد، باحثة عن بقايا طفولتها الطبيعية السابقة في ظل أبوين حقيقيين. لا يتابع حالتها النفسية أي اختصاصي، إذ لم تستوقف الفتاة مسؤولي البلاد لرعايتها واحتضانها. فيما توقّف الراتب الشهري الزهيد الذي جرى تخصيصه لها، من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية، قبل أشهر، دون وجود سبب لذلك. يتركّز الحرمان في عيني الصغيرة معلناً أنها لن تنسى ما جرى ذات ليلة أحقادٍ، ولو نسي الجميع.




خطفُ لشرخِ الثقة
ردّت وزارة المصالحة السورية، ممثّلةً بمسؤول المكتب الإعلامي محمد العمري، على تساؤلات الأهالي، حول ملف مخطوفي ريف اللاذقية ومتابعته، الذي أكّد على أن «جهود الوزارة مستمرة بشكل حثيث لمتابعة مستجدات المخطوفين، بعيداً عن الإعلام والأضواء»، لافتاً إلى أن «العائق في وجه تحقيق جديد في ملف المخطوفين هو عدم مصداقية الجهات الخاطفة، ورغبة الدول الموظِّفة لها باستثمار هذا الملف الإنساني للضغط على الدولة السورية». وأضاف أن «الخاطفين حاولوا إحداث شرخ في ثقة المواطن بمؤسسات دولته، ولاسيما في ضوء الشروط التعجيزية والخيالية التي قدموها لإطلاق سراح المختطفين».