اتُّخد قرار إعادة الفلوجة إلى حضن بغداد، لتعاد بناء عليه صياغة تموضعها، من نقيض العاصمة إلى امتداد حيوي لها، بعد 13 عاماً على إبعادها الظرفي عنها. قرار سيعزّز أمن حزام بغداد الغربي، من خلال إقفال ثغره التي شكلت الممرّ اللوجستي للخروق الأخيرة.

ولمن لا يعرف أهمية الفلوجة الإستراتيجية: هي المدينة السهلية المنبسطة التي شكلت، على مدى سنوات، أحد أضلع مثلث عامرية الفلوجة وجرف الصخر، إضافة إلى اتصالها مع عامريتها وزوبع، من خلال ما عرف بـ«مثلث الموت»، أيام احتلال العراق، بسبب ارتفاع نسب استهداف القوات الأميركية فيه. تنتصف المدينة خريطة العراق، كانتصافها محور الأحداث فيه لسنوات، وتتوسط الطريق ما بين بغداد والرمادي، بمسافة 65 كلم غرب الأولى و45 كلم شرق الثانية، مكوِّنة محورين مائيين مع دجلة. سقوطها عام 2014، كان مدوياً وقد سبق سقوط الموصل بـ6 أشهر، ليصبح «داعش» على مرمى عين من بغداد، وتتحوّل الفلوجة إلى قلب «الخلافة» ومركز العمليات باتجاه العاصمة.
شهدت المدينة ثلاث حروب، منذ عام 2004، حين أَطلقت شرارة أولاها حادثة قتل الأميركيين 17 متظاهراً، تلاها مقتل 4 من عناصر شركة «بلاك ووتر»، ليشهد شهر تشرين الثاني من السنة ذاتها، الحرب الثانية التي طُبق فيها ما عُرف، لاحقاً، بـ«نموذج الفلوجة»، الذي استخدمه الجيش الأميركي في عين العرب (كوباني) والرمادي. أما حربها الثالثة، فقد كانت عام 2015، حين حاولت القوّات العراقية استعادتها، بعد السيطرة على محيطها، من دون استكمال الهجوم الذي عزا ضابط عراقي توقفه إلى ضعف المعلومات الاستخبارية.

انطلاق العملية

مثّل انطلاق تحرير الفلوجة بروز قوى سياسية جديدة

الحد الفاصل برز قبل أيام، إبان عودة مسلسل التفجيرات والاختراقات الأمنية، والتطوّر الدراماتيكي لأحداث «المنطقة الخضراء»، الأمر الذي فرض على حكومة بغداد الإقرار بصوابيّة مطلب «الحشد الشعبي»، وإصراره على تحرير الفلوجة قبل الموصل، لتحصين حزام بغداد، الذي يحتوي على أكثر من 25 منطقة حاضنة للإرهاب، «بعضها أخطر من الفلوجة، كالحاضنة الجنوبية الشرقية والحاضة الشمالية، والحاضنة الغربية بمناطقها الثلاث من جهة ديالى»، بحسب الخبير الأمني فاضل أبو رغيف.
وبرغم شلّ قدرة «داعش» عسكرياً في هذه المناطق، إلا أنها لا تزال تشكل حاضنة مهمة للتنظيم، وهذا ما أشار إليه عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد سعد المطلبي، في حديث تلفزيوني، قال فيه إن «جميع الشواهد والأدلة تشير إلى أن العمليات الإرهابية، التي تضرب العاصمة، تنبع من مناطق حزام بغداد». لهذه الأسباب، حلّت «الساعة الصفر»، التي أعلنها النائب و«المعاون الجهادي» في كتائب «سيد الشهداء»، فالح حسن الخزعلي، في حديث لـ«السومرية نيوز»، قائلاً إن «اجتماعاً ضمّ قيادة عمليات بغداد، وبعض قيادات الفرق والألوية العسكرية عقد وتمخّض عن تحديد» هذه الساعة.
بعدها، كان الهجوم في حقول عجيل في جبال حمرين، تلاه هجوم آخر نجح، بسرعة قياسيّة، بتحرير الكرمة (شرق الفلوجة) من قبل حركة «عصائب أهل الحق» والشرطة الاتحادية، وبالتالي أدى إلى فصل الكرمة عن الفلوجة، كما أعلن المتحدث باسم «العصائب» جواد الطليباوي، فيما أُغلق جسر السجر الإستراتيجي، بحسب ما أكده القيادي في «الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس.


«داعش» ونقاط قوّته

تراوح التقديرات الأميركيّة لعديد عناصر تنظيم «داعش» داخل الفلوجة، بين 500 و700 مقاتل. أما وفق تقديرات «الحشد»، فإن العدد يتراوح بين 1000 و1500 مقاتل، هرب بعضهم قبل انطلاق العمليّات. وتكمن نقاط قوة التنظيم عند أطراف الكرمة (شرق الفلوجة) والصقلاوية (شمال غرب الفلوجة) والهياكل (على المشارف الجنوبية للمدينة)، فيما شكّل تحرير قضاء الرطبة (غربي الأنبار) ضربة قاسية له، لكونه منفذه الوحيد لارتباطه بالحلابسة (غرب الفلوجة).
وفي غضون ذلك، شكلت محطة انطلاق عمليات تحرير الفلوجة تعزيز بروز قوى سياسية جديدة، ترفدها تطورات الميدان، في مقابل تراجع أخرى. فقد عبّرت النائب عن «الحزب الإسلامي» عالية نضيف، مثلاً، عن امتعاضها ورفضها لمشاركة «الحشد الشعبي»، ليردّ عليها رئيس مجلس إنقاذ الأنبار عبدالرحمن النمراوي مهاجماً. أما طارق الهاشمي فقد حذّر من أن «الفلوجة على أبواب مجزرة كبرى»، مستدعياً تحرّكاً إقليمياً لمنع الإبادة، فرد عليه رئيس ديوان الوقف السني عبد اللطيف الهميم، بشكل غير مباشر، منتقداً «من يتاجرون بدماء أبناء الأنبار، ولا يروقهم تحرير مدن المحافظة وطرد الإرهاب منها»، وذلك قبل أن يزور غرفة عمليات الفلوجة، برفقة رئيس مجلس النواب سليم الجبوري وابن مدينة الفلوجة وزير التخطيط العراقي سلمان الجميلي. أيضاً، كانت لافتة في هذه الأثناء زيارة وفد من علماء الفلوجة مقر عمليات «الحشد الشعبي» ولقائهم بقياداته.
واقع سياسي جديد في طور التشكّل في الفلوجة، تبعاً لتغيّر موازين القوى. وبناء عليه ستتواجه صورتان: الأولى هي لعشائر الفلوجة، التي أعلنت بيعتها لـ«داعش» في «المؤتمر الأول لعشائر الأنبار»، عام 2015، ثم في مؤتمر «عشائر الفلوجة شوكة في عيون الأعداء»، الذي أعقبه اختتام تراجيدي لإعدام الجندي كاظم الركابي أمام العشرات من شيوخها. أما الثانية، فهي صورة «حشد عشائري» يقارب عديده الـ4 آلاف عنصر، يتألّف من أولياء الدم من البونمر والبوعيسى والجغايفة والبومحل والبوعبيد وغيرها. هؤلاء الذين يشكلون جزءاً ممّا يقارب الـ20 ألفاً ضمن «الحشد»، عموماً، إضافة إلى أفواج الطوارئ، وشرطة الأنبار وجهاز مكافحة الإرهاب، سيتولون تطهير قلب الفلوجة ومركزها.